بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الحرب اختبار قوة للاقتصاد المصرى

بوابة الوفد الإلكترونية

خبراء: موجة تضخمية قادمة.. ومطلوب الاعتماد على مستلزمات إنتاج محلية ودعم التصنيع

  

تشهد المنطقة حالة من التوترات المتصاعدة بسبب تداعيات حرب إيران وإسرائيل، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الاقتصادات العالمية، ومن بينها الاقتصاد المصرى، هذا ما أكده رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولى، أن الحكومة تتابع عن كثب التطورات الجيوسياسية وتأثيراتها الاقتصادية، خاصة مع استمرار الحرب وتداعياتها على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء، موضحًا أن الدولة تعمل على اتخاذ إجراءات استباقية للتخفيف من آثار هذه الأزمات العالمية على السوق المحلى، والحفاظ على استقرار الاقتصاد المصرى رغم التحديات الراهنة.

كما تعتبر تلك التداعيات اختباراً لقدرة وصمود الاقتصاد المصرى، واختباراً لقدرة مصر على إدارة المخاطر فى بيئة إقليمية مضطربة فى ظل هذه الحرب.

أكد الدكتور حسين عبدالباقى، الخبير الاقتصادى، أن الحرب تختبر قوة الاقتصاد المصرى، ويجب أن يكون اقتصاد حرب أى تنوع مجالات الاقتصاد المصرى، وأن يكون إنتاجيا يعتمد على مستلزمات إنتاج وطنية، كما يجب أن تعمل البلاد على زيادة الإنتاج المحلى وتشجيع العمل والإنتاج، وتوظيف القطاعات الإنتاجية بصورة صحيحة، بالإضافة إلى أنه يجب على مصر أن تحول قناة السويس إلى ممر لوجيستى خدمى متكامل، يوفر خدمات البناء والتطوير والصيانة للسفن التجارية العالمية، ويوفر خدمات التوريد والإمداد للسفن بأسعار تنافسية وجودة عالية، وتوفير الخدمات الأخرى العامة ذات الصلة بالتجارة الدولية حتى تكون هناك استدامة فى إيرادات مصر من العملة الأجنبية المحصلة من قناة السويس. 

وأكد «عبدالباقى» أن هناك تأثيراً سلبياً متزايداً جراء الحرب بين إيران وإسرائيل على منطقة الشرق الأوسط اقتصادياً، وقد يختلف هذا التأثير من دولة لأخرى حسب قوة اقتصاد الدولة، كما يمتد هذا التأثير السلبى على الاقتصاد العالمى ليشمل كل دول العالم، ولذلك يتأثر الاقتصاد المصرى فى مختلف قطاعات، لافتًا إلى أن الحرب أدت إلى حدوث تقلبات فى أسعار سوق الطاقة والبترول، نتيجة لتعطل حركة الملاحة البحرية، واحتراق بعض سفن الغاز والبترول فى البحر، مما يؤدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل ملحوظ عالمياً، وينعكس ذلك سلبياً على زيادة معدلات التضخم لأسعار الطاقة بكافة أنواعها فى مصر، بالإضافة إلى انخفاض حركة الملاحة البحرية فى قناة السويس، مما يؤدى إلى انخفاض إيرادات قناة السويس من العملات الأجنبية، مما يزيد من عبء الموازنة العامة للدولة المصرية، كما أن زيادة معدل التضخم العالمى من شأنه تحقيق تأثير سلبى على الاقتصاد المصرى من خلال زيادة تكاليف الواردات لمصر من السلع والخدمات، كما تنكمش حركة الصادرات المصرية، نتيجة لإغلاق المجال الجوى للعديد من الدول واضطراب حركة الملاحة.

ونوه «عبدالباقى» إلى أنه إذا استمرت هذه الحرب لفترة طويلة وأصبحت حربا مفتوحة، فقد يقل تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة فى الأجل القصير بشكل عام لمنطقة الشرق الأوسط ومن بينها مصر، مما يخفض حجم هذه الاستثمارات، وينعكس انخفاض تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة سلبياً على الاقتصاد المصرى، ومن أهمها الدولار الأمريكى، ومع انخفاض كمية الدولار المعروضة فى السوق يزيد سعر الدولار الأمريكى، الأمر الذى يؤدى إلى زيادة أسعار العديد من السلع والخدمات فى مختلف قطاعات الاقتصاد المصرى، لذا تعد هذه الحرب اختبار لقوة الاقتصاد المصرى، وإظهار قدرته على التكيف مع الصدمات التى أحدثتها حرب إيران وإسرائيل، كما تؤثر هذه الحرب سلبياً على سلاسل التوريد لكافة السلع ومستلزمات الإنتاج، مما يؤدى إلى انخفاض الإنتاج، أو تعطل بعض المصانع فى حالة عدم توفر مستلزمات الإنتاج ونفاد مخزون مستلزمات الإنتاج لديها، وقد ينتج عن ذلك زيادة معدل البطالة.

وتابع: ولا ننسى التأثير السلبى لهذه الحرب على قطاع الصحة من خلال عدم توفر المستلزمات الطبية والأدوية أو زيادة أسعارها بشكل ملحوظ خلال فترة هذه الحرب، مما يفرض المزيد من الأعباء على المواطن المصرى، وغيرها من آثار سلبية على الصحة العامة للمصريين، وقد تؤدى هذه الحرب إلى انخفاض معدلات التوظيف وارتفاع معدلات البطالة، وحدوث فجوة بين متطلبات سوق العمل ومخرجات التعليم، بالإضافة إلى أن الاضطرابات فى مضيق هرمز وباب المندب، تؤدى إلى فرض تحديات أمام قناة السويس، مما يخفض حركة التجارة من خلال قناة السويس، وبالتالى تقل إيرادات مصر من قناة السويس، نتيجة لانخفاض حجم التجارة العالمى، خاصة أن المضيق يعتبر معبراً لنحو 45 مليون برميل من النفط يومياً، وتمر نسبة 86% من صادرات نفط الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز أى ما يشكل نصف الطاقة التى تعتمد عليها صناعة العالم واقتصاده وحياته اليومية، وتتجاوز حجم التجارة عبر المضيق تريليون دولار سنوياً، لذلك يمثل غلق مضيق هرمز يؤدى إلى خسارة العالم نصف الطاقة التى يعتمد عليها فى الصناعة والحياة اليومية للشعوب، مما يؤدى إلى زيادة معدل التضخم العالمى لأسعار الطاقة، وبالتالى يحدث التأثير السلبى على سوق الطاقة فى مصر.

وطالب الخبير الاقتصادى بأنه يجب على الحكومة التحرك الاستباقى، وذلك من خلال تعزيز مخزون السلع الاستراتيجية المصرية، ومواصلة سياسات دعم الصناعة المصرية، وتعميق التصنيع المحلى، بما يسهم فى خفض الاعتماد على الاستيراد، وتحقيق قدر أكبر من الصمود الاقتصادى فى مواجهة الأزمات الدولية الناتجة عن حرب إيران وإسرائيل.

وأضاف أن الحكومة اتخذت عدة إجراءات استثنائية، من بينها تأمين مخزون السلع الاستراتيجية، والعمل على زيادة هذا المخزون لمواجهة أى أزمات متوقعة، وتحقيق الأمن الغذائى، وتحرك البنك المركزى بشكل مرن لتوفير الدولار الأمريكى وتلبية احتياجات السوق المصرى من الدولار، وإعداد خطة لحفر عدد 106 آبار غاز وبترول فى مناطق واعدة فى مصر يتم تنفيذها خلال عام 2026، بالإضافة لتعدد بدائل حصول مصر على احتياجاتها من الغاز، ومحاربة الممارسات الاحتكارية والتلاعب فى الأسعار، لتحقيق الرقابة على الأسعار فى ظل أزمة حرب إيران وإسرائيل، لحوكمة الأسواق، والحد من الآثار السلبية لهذه الحرب على الاقتصاد المصرى فيما يتعلق بارتفاع أسعار السلع والخدمات.

«أى حرب إقليمية واسعة، خاصة إذا مست منطقة الخليج أو خطوط الملاحة، تنعكس على الاقتصاد المصرى عبر أربع قنوات رئيسية: الطاقة، التجارة، سعر العملة، والتضخم».. هكذا بدأ الدكتور أحمد شوقى، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والتشريع والإحصاء، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا بنسبة قد تتجاوز 10% يرفع فاتورة الواردات البترولية، ما يزيد الضغط على الموازنة وميزان المدفوعات، كما أن مصر تستورد سنويا سلع استراتيجية (قمح، مواد خام، مستلزمات إنتاج) تتجاوز قيمتها 70 مليار دولار، وأى اضطراب فى سلاسل الإمداد يرفع التكلفة، وفى المقابل، قد تستفيد بعض الصادرات المصرية (الأسمدة، الصناعات الغذائية، مواد البناء) نتيجة إعادة توجيه الطلب من أسواق متضررة، كما أن الجنيه، سيتأثر بزيادة الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد، وحركة الأموال الساخنة وهروبها من الاقتصاديات الناشئة وهو ما يحدث حاليا وما يخلق ضغوطا على سعر الصرف ويزيد حساسية السوق لأى تدفقات خارجة.

أما الدولار، ففى أوقات الحروب، يرتفع الطلب العالمى على الدولار باعتباره ملاذا آمنا، ما يؤدى إلى قوته عالميا، أما داخليا، زيادة فاتورة الاستيراد وارتفاع أسعار النفط يرفعان الطلب على العملة الأجنبية، ما يخلق ضغوطا على الجنيه، وإذا تزامن ذلك مع خروج جزئى لاستثمارات الأجانب فى أدوات الدين، فقد نشهد تقلبات أكبر فى سوق الصرف، لكن قوة التأثير تعتمد على ثلاثة عوامل: حجم الاحتياطى الأجنبى، استقرار التدفقات من السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، ومدى مرونة السياسة النقدية، فالدولار يميل للصعود فى أجواء الحرب، لكن حجم التحرك أمام الجنيه يتحدد بقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة وليس بالحدث ذاته.

أوضح الخبير المصرفى، أن معالجة التأثيرات تتم عبر إجراءات متكاملة، أى سياسة نقدية مرنة لضبط التضخم وإدارة سوق الصرف دون استنزاف الاحتياطى، وترشيد الاستيراد غير الضرورى وإعطاء أولوية للسلع الاستراتيجية ومستلزمات الإنتاج، وتوسيع قاعدة التصدير وتعميق التصنيع المحلى لتقليل الفجوة الدولارية، وتنويع مصادر استيراد القمح والطاقة لتقليل مخاطر الاعتماد على منطقة واحدة، وتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية لحماية الفئات الأكثر تأثرًا بالتضخم، والهدف الرئيسى ليس منع التأثير، بل امتصاص الصدمة وتحويلها إلى فرصة لإصلاح هيكلى أعمق فى الإنتاج والتجارة، بالإضافة إلى أن البديل الحقيقى للاستيراد، ليس بإيقافه، بل إدارته بذكاء أكثر، مع بناء قدرة إنتاجية محلية تدريجيًا لتقليل الاعتماد الخارجى على المدى المتوسط.

وفى قطاع التأمين، أكد محمد الباز مدير عام تأمينات البحرى وأجسام السفن، بشركة مصر للتأمين، أن هناك مخاوف رئيسية لدى شركات التأمين على احتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذى سيترتب عنه ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، للسفن المتجهة إلى المنطقة أو العابرة منها، بالإضافة إلى أن شركات التأمين وإعادة التأمين العالمية، ستفرض شروطاً استثنائية أو الامتناع عن تغطية السفن ذات الصلة ببعض الدول فى المناطق المتأثرة، بالإضافة إلى التأثير على قناة السويس وحجم الأقساط بمصر، وتراجع حركة العبور.

وتابع «الباز» أن الاضطرابات فى هرمز غالباً ما تتزامن مع توترات فى باب المندب، مما يفاقم من أزمة الشحن البحرى ويرفع تكلفة التأمين على طول المسار الملاحى المؤدى للموانئ المصرية، ولا ننسى وجود تكاليف إضافية وتعويضات محتملة، بالإضافة إلى خسائر كلية اعتبارية، ففى حالة احتجاز سفن داخل منطقة المضيق لفترة طويلة، قد تضطر شركات التأمين لاعتبارها «خسارة كلية»، مما يحمل شركات التأمين (ومنها شركات تعمل بالسوق المصرى عبر اتفاقيات إعادة التأمين) أعباء تعويضات ضخمة، وهو ما ينعكس على ارتفاع تكلفة الواردات والسلع الأساسية فى مصر، مشيرًا إلى أن التوقعات تشير إلى زيادة تصاعدية فى الأسعار فى حال تحول الإغلاق إلى وضع دائم أو تصعيد عسكرى شامل، وليس هذا فقط، بل ستكون هناك تحديات فى إعادة التأمين، حيث تضطر شركات التأمين المصرية لمواجهة اشتراطات أصعب من شركات إعادة التأمين العالمية، مما يقلص من قدرتها التنافسية، وبالتالى ستمتنع شركات التأمين عن تغطية خطر الحروب ورفع أسعار التأمين البحرى إلى الضعف على الأقل.