بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

لفت نظر

صرخة «الحبتور»

لم تكن الرسالة التى وجهها رجل الأعمال الإماراتى البارز خلف الحبتور إلى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مجرد تعليق عابر على تطورات سياسية، بل بدت أشبه بصرخة سياسية واقتصادية تعبر عن قلق خليجى متزايد من تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران.

البيان الذى صاغه الحبتور بلغة مباشرة وحادة، طرح سؤالاً جوهرياً: من منح واشنطن حق اتخاذ قرار قد يجر المنطقة إلى حرب؟ وهو سؤال لا يعبر فقط عن موقف رجل أعمال، بل يعكس مخاوف حقيقية لدى قطاعات واسعة فى المنطقة من أن القرارات الكبرى المتعلقة بالأمن الإقليمى تتخذ خارج حدودها، بينما تتحمل دولها النتائج.

اعتراض اقتصادى بلهجة سياسية

المثير فى رسالة الحبتور أنها لم تأتِ من سياسى أو دبلوماسى، بل من أحد أبرز رجال الأعمال فى الخليج. وهذا يعطى الرسالة بعدا مختلفاً، فالحبتور ينظر إلى التصعيد العسكرى ليس فقط كخطر أمنى، بل كتهديد مباشر للاستقرار الاقتصادى الذى بنت عليه دول الخليج استراتيجياتها خلال العقود الأخيرة.

فمن وجهة نظره، أى مواجهة عسكرية مع إيران لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستنعكس مباشرة على دول مجلس التعاون الخليجى، سواء عبر تهديد طرق الطاقة، أو ضرب الاستثمارات، أو زعزعة استقرار الأسواق.

ولهذا لم يكن السؤال الذى طرحه الحبتور موجها لترامب وحده، بل موجها أيضاً إلى من يقف خلف هذا القرار، فى إشارة واضحة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، الذى يرى كثيرون فى المنطقة أنه يدفع باتجاه توسيع المواجهة مع إيران.

واحدة من أهم النقاط فى بيان الحبتور كانت الإشارة إلى مبادرة Board of Peace التى روج لها باعتبارها مشروعاً لتعزيز الاستقرار. فالرجل يطرح تساؤلاً بالغ الحساسية: كيف تتحول المبادرات التى رفعت تحت شعار السلام إلى واقع يقود نحو الحرب؟

هذا التساؤل يفتح باباً أكبر للنقاش حول مصداقية المبادرات الدولية فى الشرق الأوسط، خصوصاً عندما تكون ممولة فى جزء كبير منها من دول المنطقة نفسها. فالحبتور يذكر بأن مليارات الدولارات التى قدمتها دول الخليج كان هدفها دعم التنمية والاستقرار، لا تمويل صراعات جديدة.

لم يكتفِ الحبتور بمخاطبة المخاوف الإقليمية، بل وجه رسالة إلى الداخل الأمريكى نفسه. فقد استند إلى أرقام تشير إلى التكلفة المحتملة لأى حرب مع إيران، والتى قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، وهو ما يتناقض مع الوعود التى أطلقها ترامب سابقاً بإنهاء الحروب الخارجية والتركيز على الداخل الأمريكى.

وفى هذا السياق، تبدو الرسالة محاولة لتذكير الإدارة الأمريكية بأن الحروب فى الشرق الأوسط لم تعد تحظى بالإجماع داخل الولايات المتحدة، وأن الرأى العام الأمريكى أصبح أكثر حساسية تجاه كلفة التدخلات العسكرية.

تكمن أهمية بيان الحبتور فى أنه يعكس تحوّلا فى الخطاب الموجه من النخب الاقتصادية الخليجية. ففى السابق كانت هذه النخب تفضل الابتعاد عن التعليق المباشر على القرارات العسكرية الكبرى، لكن ما حدث هنا يكشف عن قلق حقيقى من أن المنطقة قد تدفع إلى مواجهة لا ترغب فيها.

كما أن لهجة البيان المباشرة تشير إلى أن رجال الأعمال، الذين يمثلون أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادى فى الخليج، أصبحوا أكثر استعداداً للتعبير علناً عن رفضهم لأى سياسات قد تهدد الاستقرار الإقليمى.

فى النهاية، يمكن قراءة رسالة الحبتور باعتبارها إنذاراً مبكراً أكثر من كونها مجرد انتقاد سياسى. فهى تعكس خوفاً من أن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى على حافة صراع واسع، وأن القرارات التى قد تشعل هذا الصراع لا تُتخذ بالضرورة داخل المنطقة.

ولهذا تبدو «صرخة الحبتور» محاولة لتذكير صناع القرار فى واشنطن بأن الشرق الأوسط لم يعد ساحة مفتوحة لتجارب القوة العسكرية، وأن استقرار المنطقة – الذى استثمرت فيه دولها مليارات الدولارات – لا يمكن أن يبقى رهينة حسابات سياسية خارجية.

وفى عالم يزداد اضطراباً، قد يكون السؤال الذى طرحه الحبتور هو السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: من يملك حق إشعال الحرب فى منطقة يدفع أبناؤها دائماً ثمنها الأكبر؟

 

[email protected]