على فكرة
دراما رمضان حين تمتع وتسلى وتعلم
بينما كان الحديث بين أفراد العائلة يحتدم حول مسلسلات رمضان، سألنى فتى صغير من أفرادها، كان عمره سبع سنوات حين سقط حكم جماعة الإخوان، وشب وكبر فى ظل أحداث دموية لإرهابها ضد مصر وأهلها ومؤسسات دولتها الوطنية: من هو «محمود عزت»؟ أنقذتنى الشركة المتحدة من سرد طويل عن تاريخ جماعة الإخوان، ونصحته بالاهتمام بمشاهدة مسلسل «رأس الأفعى» على أن يقول لى رأيه ريثما ينتهى من مشاهدة كل حلقاته. لم تكن النتيجة رائعة فحسب، بل كانت أيضا موحية وملهمة لتأمل خريطة رمضان لهذا العام.
وفى دراما هذا العام، وازنت الشركة المتحدة بين نوعية المسلسلات المعروضة عبر قنواتها المختلفة، فقدمت توليفة ناجحة من الأعمال الدرامية التى مزجت بين المتعة والتسلية والتعلم، اتسم معظمها بالصدق الفنى الذى يخاطب العقول قبل المشاعر، ويبتعد عن نمط أعمال الوعظ والارشاد المملة والمستهلكة. ومن بينها الدراما الوثائقية التى تنطوى على حقائق تاريخية موثقة بالصوت والصورة، والدراما الاجتماعية التى تتطرق لقضايا مطروحة للنقاش العام والمشاكل التى تحيط بها، وتسلط الضوء على خطرها على التماسك المجتمعى، وتستنهض خيال المتفرج ليصبح شريكا معها فى البحث عن حلول لها، وتحفزه على استخلاص النتائج المبنية على علم ومعرفة بجوانبها المتعددة.
اختار عدد من المسلسلات المزج بين التطور الإلكترونى المتسارع فى المجالات البصرية والسمعية ودورها الإيجابى فى الكشف عن الجرائم، وجانبها المؤذى حينما تصبح وسيلة للابتزاز، وجرح الحياة الشخصية والاعتداء على خصوصية الأفراد، التى يحميها القانون والدستور.
وجاءت الكوميديا الاجتماعية «كلهم بيحبوا ميدو» تأليف أيمن سلامة وإخراج أحمد شفيق لتضفى على أجواء الحروب التى احاطت هذا العام بالشهر الكريم، ضحكة وبسمة يحتاجها المشاهدون لمواجهة العتمة التى فُرضت عليهم. ويحكى المسلسل قصة رجل وسيم متلاف «ياسر جلال» فقد عمله طيارًا بسبب إهماله، وورث ثروة من عمل وجهد أبيه فى مجموعة من الشركات، فبددها بتعدد زوجاته، ونزوات علاقاته النسائية، وبإنفاقه السفيه على أصدقاء من مجتمع مترف، مترع بالخواء والفراغ، لا يكفون عن استغلاله، والاستفادة من عدم قدرته على التمييز بين الكرم والتبذير، حتى أوشك على إعلان إفلاسه واحتمال حبسه، بسبب الديون التى تراكمت عليه.
لم يجد الثرى المفلس حلا للخروج من أزمته المالية، غير الزواج من فتاة ثرية تنتمى لبيئة شعبية «أيتن عامر»، ليستولى على أموالها، ثم يطلقها. لكن خطته تفشل، حين تتلاعب به الأقدار، فيقع فى غرام الزوجة الشعبية التى ساندته واحتوت ابنته «جودى مسعود» التى عانت فرط إهماله، بينما تخلى عنه جيش النساء الطامعات فى ثرائه، والواهمات أن حيلتهن فى تصوير طمعهن، وكأنه مشاعر حب له، سوف تنطلى عليه.
موضوع المسلسل ليس جديدا، عالجته السينما من قبل فى فيلم: «الزوجة 13». الجديد هو المعالجة العصرية لفكرة الكوميديا الشخصية، والحوار اللامع الذى يفجر السخرية من اللعب بالألفاظ، والتورية، ويسلط الضوء على تلك الفئات الاجتماعية المترفة التى تتصدر المشهد، ويهجو بالتهكم سلوكها فى اللهو والاستهتار، وغرقها فى قاع من الضياع والهيافة.
الجديد هو بطل المسلسل، الفنان «ياسر جلال» الذى يفتح به صفحة جديدة فى مشواره الفنى، تخرجه من التصنيفات السهلة السابقة، وتكشف عن جانب آخر من موهبته فى الأداء الكوميدى، تنجح فى تفجير أعلى الضحكات من المبارزة الكلامية بينه وبين مدير أعماله الظريف «مصطفى أبوسريع» والمواقف التى تنطوى على مفارقات وسوء فهم بينه وبين حماته الموهوبة «سلوى عثمان» وقدرته على تجسيد المشاهد الغنائية بمرونة ولطف وخفة ظل واضحة. وإذا كان الهدف من الدراما الكوميدية هو كشف الأمراض الاجتماعية وفتح الطريق أمام المجتمع للتخلص منها، بعد أن يكون قد سخر من وجودها، فقد أقنعنا مسلسل ياسر جلال بأن الحب والصدق والإخلاص فى العمل، هى أعظم أشياء تمنحها لنا الحياة.