بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

لماذا هذه الحرب؟

الهجمات الحالية على إيران تطرح سؤالا جوهريا: لماذا تخوض الولايات المتحدة هذه الحرب أصلا؟ هى حرب المتناقضات، أعلنت الإدارة أن تغيير النظام هو هدفها، مبررة الحملة على أساس وجود تهديد إيرانى للولايات المتحدة الأمريكية، وتقويض البرنامج النووى الإيرانى وقدراته الصاروخية لكن لم تهاجم إيران أو تهدد أمريكا، ولا تملك -فعليا- القدرة على تهديد الأراضى الأمريكية. لكن سقطت القنابل وبدأت الحرب.

المنطق الاستراتيجى وراء هذه الحرب إسرائيلى، والأمريكيون هم من يتحملون تبعاتها. تم تصوير كل مرحلة فى هذا الصراع من الانسحاب من الاتفاق النووى فى عام 2018، إلى اغتيال قاسم سليمانى فى عام 2020، إلى الضربات التى شنت فى يونيو 2025 على أنها استعادة للنفوذ الأمريكى فى المنطقة. وقد أدى كل منهما إلى عكس ذلك، حيث قضى على المنافذ الدبلوماسية، وعجل من حدة التهديدات التى كان يهدف إلى احتوائها. والهدف الأوحد حتى الآن حفظ أمن إسرائيل ودعم هيمنتها، والانتقال إلى وهم إسرائيل الكبرى من النيل للفرات.

تفترض استراتيجية قطع الرؤوس أن إزاحة رأس النظام تفتح الباب أمام التغيير السياسى. لكن هدف اسقاط النظام فى إيران يصطدم بواقع مؤسسى صلب، النظام الإيرانى مؤسسى يحتوى على آليات معقدة للخلافة، فقد صمد عبر هياكله المختلفة ممثلة فى مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء والحرس الثورى لأكثر من أربعة عقود. وهو بالأساس مصمم لمواجعة ومقاومة مثل هكذا ضغوط. وتاريخيا الضربات الجوية وحدها لا تسقط أنظمة. 

ثمة مفارقة أعمق، فقد اجتاحت إيران قبل أسابيع قليلة أكبر احتجاجات منذ عام 1979. وكانت معارضة داخلية حقيقية تتنامى. وقد قضت الضربات، على الأرجح، على آفاق تلك الحركة. لا يمكن إغفال تأثير العمل العسكرى واغتيال المرشد فى الالتفاف حول النظام، كما لا يمكن انكار ميل الشعوب إلى التوحد خلف حكومتها عند تعرضها لهجوم من قوة أجنبية، الهجمات الخارجية تدمج النظام والأمة وتوحدهم، والإيرانيون الذين كانوا يهتفون «الموت للديكتاتور» يشاهدون الآن القنابل الأجنبية تسقط على مدنهم خلال شهر رمضان، ويسمعون تقارير عن مقتل أكثر من 100 طفل فى غارة على مدرسة للبنات.

دعوة ترامب للإيرانيين إلى «السيطرة على مصيرهم» تعود بالذاكرة إلى عام 1953، عندما تمت الإطاحة برئيس الوزراء الإيرانى محمد مصدق المنتخب ديمقراطياً عبر انقلاب دعمته الولايات المتحدة وبريطانيا من أجل السيطرة على النفط الإيرانى، أدى ذلك إلى ظهور الشاه، وأدى حكم الشاه إلى الثورة الإيرانية عام 1979، وأدت الثورة إلى قيام الجمهورية الإسلامية التى تتعرض للقصف الآن. ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وما الضمانة بأن ما سيظهر سيكون أكثر ودًّا لإسرائيل أو الولايات المتحدة؟

هناك قاعدة فى العلوم السياسية تقول إن الفراغ المفاجئ فى السلطة تملؤه القوى الأكثر تنظيما وقوة على الأرض، وليس الأكثر ديمقراطية كما تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب. والجماعة الأجدر بملء هذا الفراغ هى الحرس الثورى صاحب التغلغل العميق فى مفاصل الدولة فى إيران، الذى يكمن اهتمامه المؤسسى فى التصعيد، لا فى التكيف. وبالتالى تستبدل أمريكا ما تراه نظاما راديكاليا ثيوقراطيا بنظام أكثر راديكالية عسكرى ومسلح.

هذا هو السؤال الذى لم يُجب عنه أحد فى واشنطن حتى الآن. إذا كان الهدف هو تغيير النظام، فمن سيحكم 92 مليون نسمة بعد ذلك؟ وإذا كان الهدف هو الاستقرار، فالاستقرار لا يُقاس بعدد الأهداف التى دُمّرت، بل بعدد الجبهات التى توقفت عن الاشتعال.