هل يجوز إخراج زكاة الفطر مالًا؟.. الإفتاء توضح
مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك يكثر التساؤل بين المسلمين حول حكم إخراج زكاة الفطر مالًا بدلًا من الطعام، وهل يجوز ذلك شرعًا أم يجب أن تكون من الحبوب والأقوات كما ورد في بعض الأحاديث النبوية. وقد تناول الفقهاء هذه المسألة بالبحث والبيان، موضحين آراءهم وأدلتهم الشرعية.
ما المقصود بزكاة الفطر ومقدارها؟

تُعد زكاة الفطر صدقة واجبة على كل مسلم، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، وتجب بغروب شمس آخر يوم من شهر رمضان، ويُخرجها المسلم عن نفسه وعن من تلزمه نفقته إذا كان قادرًا عليها.
وقد ثبت في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ «فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير» وهو ما رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد قدَّر الفقهاء الصاع بنحو 2.04 كجم تقريبًا من غالب قوت أهل البلد.
الحكمة من مشروعية زكاة الفطر
تتجلى الحكمة من فرض زكاة الفطر في تطهير الصائم من اللغو والرفث الذي قد يقع فيه خلال الصيام، إضافة إلى إدخال السرور على الفقراء يوم العيد وإغنائهم عن السؤال.
وقد ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر «طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين» كما رواه سنن أبي داود وسنن ابن ماجه.
حكم إخراج زكاة الفطر مالًا عند الفقهاء
تعددت آراء الفقهاء في مسألة إخراج زكاة الفطر مالًا؛ فذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الأصل إخراجها من الطعام، تمسكًا بظاهر النصوص النبوية التي ذكرت أصنافًا من القوت كالشعير والتمر.
وفي المقابل، أجاز فقهاء الحنفية وبعض فقهاء المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، إخراج زكاة الفطر مالًا إذا كان ذلك أنفع للفقراء، لأن المقصود من الزكاة سد حاجة المحتاجين وإغناؤهم يوم العيد.
وقد ذكر الإمام السرخسي الحنفي في كتابه المبسوط أن إخراج القيمة جائز؛ لأن المقصود تحقيق الغنى للفقير، وهذا يتحقق بالمال كما يتحقق بالطعام.
أقوال العلماء والسلف في إخراجها بالقيمة
وردت آثار عن عدد من التابعين والعلماء تجيز إخراج زكاة الفطر مالًا، ومنهم الحسن البصري وأبو إسحاق السبيعي، كما ورد أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز كتب في صدقة الفطر أن تكون نصف صاع أو قيمته نقدًا.
كما ذكر الإمام الكاساني في كتابه بدائع الصنائع أن دفع الدراهم قد يكون أنفع للفقير؛ لأنه يستطيع شراء ما يحتاج إليه فورًا، وهو ما يعزز القول بجواز إخراج زكاة الفطر مالًا في حال كانت المصلحة في ذلك.
لماذا يرى بعض العلماء أن المال أنفع اليوم؟
يشير عدد من العلماء المعاصرين إلى أن ظروف الحياة في العصر الحديث تختلف كثيرًا عن زمن النبوة؛ إذ أصبحت معظم المعاملات قائمة على النقود، وليس على المقايضة بالطعام.
فالفقراء اليوم قد يحتاجون إلى المال لدفع الإيجار أو فواتير الكهرباء أو شراء الدواء، وهي احتياجات قد لا تُقضى بإعطائهم الحبوب أو الأقوات فقط، ولذلك يرى بعض الفقهاء أن إخراج زكاة الفطر مالًا قد يكون أقرب لتحقيق المقصد الشرعي من الزكاة، وهو إغناء الفقير يوم العيد.
خلاصة أقوال الفقهاء أن الأصل في زكاة الفطر أن تكون من غالب قوت أهل البلد، كما ورد في السنة النبوية، لكن أجاز عدد من العلماء والفقهاء إخراج زكاة الفطر مالًا إذا كان ذلك أنفع للفقراء وأقرب إلى تحقيق مصلحة المحتاجين.
وبناءً على ذلك، يجوز للمسلم إخراج زكاة الفطر مالًا لمستحقيها دون حرج شرعي، خاصة إذا كان ذلك يحقق منفعة أكبر للفقراء ويساعدهم على تلبية احتياجاتهم يوم العيد.