بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قناديل السماء فى عمائر الأرض

«المشكاوات» من تجليات الوحى إلى عبقرية المينا والزجاج

بوابة الوفد الإلكترونية

تتجلى «المشكاة» كواحد من أبهى رموز شهر رمضان فى الوجدان الإسلامى؛ فهى لم تكن يوماً مجرد أداة لتبديد الظلمة، بل كانت القلب النابض الذى يحول المساجد فى ليالى رمضان إلى «قطع من نور»، وكانت للمشكاوات مكانة أثيرة فى مصر والشام خلال العصور الوسطى، لتمثل النقطة الأكثر سطوعاً بين النص القرآنى المقدس والإبداع الفنى البشرى، وتتبع تاريخ المشكاوات ليس مجرد جولة فى متاحف الزجاج، بل هو تحقيق فى كيفية غزل العقيدة بفن العمارة، وكيف استحال الرمل والنار والذهب إلى لغة بصرية تتحدث عن الله والجمال والسلطة. 
المشكاة فى القرآن
وردت كلمة «المشكاة» حاملة معنى الاحتواء وتركيز النور، فى قوله تعالى من سورة النور:
﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة…(35)﴾. حيث فسرها الإمام الطبرى أنها «كوة» تجمع الضوء وتمنع تشتته، بينما يرى الإمام القرطبى أنها وعاء يحتضن النور، وأما ابن كثير فيربطها بموضع الفتيلة فى القنديل، كإطار يبرز الضوء.
المشكاوات عبر التاريخ
لم يقتصر تفسير المشكاة على البعد المادى، بل ربطها المفسرون بتكوين الإنسان، فحسب الإمام الطبرى، تمثل المشكاة صدر النبى صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النبوة، ما يجعل «نور على نور» رمزاً لتكامل الإيمان والعمل الصالح والحفاظ على الوحى فى القلب النقى.
كما صاغ أبوحامد الغزالى فى مشكاة الأنوار فلسفة نورية متكاملة، وربط عناصر آية النور بخمس مراتب للإدراك: المشكاة للروح الحسية، الزجاجة للخيال، المصباح للعقل، الشجرة للفكر، والزيت للروح القدسية النبوية، وفى التصور الصوفى، تصبح المشكاة رمزاً للقلب، حيث «نور على نور» يجمع بين نور العقل ونور القرآن، لتكون برزخاً يربط بين المادة والروح وينشر النور فى كل الاتجاهات.
من المسارج إلى مجد المماليك
بدأت صناعة المشكاوات كتجربة تقنية متدرجة فى معامل الزجاج بدمشق والقاهرة وحلب، حيث كانت المساجد فى العصرين الأموى والعباسى تضاء بمسارج فخارية ومعدنية، وظهرت القناديل الزجاجية البسيطة فى المنشآت الكبرى مثل قبة الصخرة والجامع الأموى، ومع العصر الفاطمى بدأ استخدام الزجاج الفاخر والخط الكوفى على المشكاوات، لكنها لم تصل لذروتها إلا مع المماليك. 
ثم شهد العصر المملوكى (القرن 13-14م) العصر الذهبى للمشكاة، إذ تحولت من أداة إضاءة إلى وثيقة تاريخية ورمز سياسى، حيث تنافس السلاطين والأمراء على وقف المشكاوات فى مساجدهم ومدارسهم، حاملة شعاراتهم وأسمائهم. ويذكر المؤرخ المقريزى أن القاهرة كانت تزين فى ليالى رمضان بآلاف المشكاوات، وبعضها يصنع فى دمشق ويرسل للقاهرة، ما يعكس تجارة دولية ومهارة حرفية متقدمة.
التدهور فى القرن العاشر
ونجد أن صناعة المشكاوات المملوكية بدأت التراجع والاندثار فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى)، ويعزو المؤرخون ذلك إلى تدهور الأحوال الاقتصادية لدولة المماليك بعد اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح، ما ضرب تجارة الشرق التى كانت تمول هذه الصناعات الفاخرة، ومع صعود الدولة العثمانية، انتقلت مراكز الإبداع، وبدأت مدينة البندقية (فينيسيا) فى تقليد هذه المشكاوات وتصدير نسخ منها إلى الشرق.
أعظم المشكاوات
إذا أردنا رؤية المشكاة فى أبهى صورها، فلا بد من الوقوف أمام مشكاوات مسجد ومدرسة السلطان حسن بالقاهرة (757-764 هـ)، حيث يصف المعماريون هذا المسجد بأنه «درة العمارة الإسلامية فى الشرق»، ولم تكن مشكاواته إلا انعكاساً لهذه العظمة.
وتكونت المشكاة هندسياً من رقبة متسعة تكتب عليها آية النور بخط الثلث، وبدن منتفخ يحمل الرنوك وألقاب السلطان، وستة مقابض لتعليق السلاسل، وقاعدة مخروطية للتثبيت.
وزخرفت بتقنية المينا الملونة الممزوجة بأكاسيد معدنية والتذهيب، وثبتت الألوان فى الأفران لتمنحها بريقاً استثنائياً. لم تكن مصدر الضوء بذاتها، بل حاملة لقنديل داخلى بزيت الزيتون، معلقة بسلاسل متوازنة بثقل زجاجى، وكان خدم مختصون يتولون تنظيفها وتعبئتها يومياً، ما جمع بين الجمال الفنى والكفاءة العملية.
كما شكلت مساحة مميزة لفن الخط العربى، حيث يلتف الثلث المملوكى حول الرقبة، وتحمل أشرطة البدن كتابات دقيقة بألقاب السلطان، واستخدم الخط الكوفى أحياناً على الأرضيات المورقة كعنصر زخرفى يثرى البعد الفنى للنور والزجاج.
شتات المشكاوات فى المتاحف
مع نهاية العصر المملوكى وبداية الاهتمام الغربى بالآثار الإسلامية فى القرن التاسع عشر، خرجت معظم المشكاوات من المساجد إلى المجموعات الخاصة والمتاحف الدولية، وأصبح عددها القليل فى مواقعها الأصلية، بينما تتلألأ فى قاعات العرض الكبرى.
يعد متحف الفن الإسلامى بالقاهرة الخزانة آلام للمشكاوات، حيث يحتفظ بعشرات القطع المهمة، أبرزها مشكاة السلطان حسن (رقم 1360م) وقطع نادرة للسلطان قايتباى والأمير سيف الدين أقبغا.
أما الحضور العالمى فيتوزع بين متحف اللوفر الذى يضم مشكاة الأمير «تنكزبغا» (1386م)، ومتحف المتروبوليتان الذى يمتلك مشكاوات للسلطان الناصر محمد بن قلاوون والأمير «أيدكين البندقدار»، تحمل شعارات وزخارف دقيقة. وفى تشرين الثانى 2024، بيعت مشكاة الأمير «سيف الدين صرغتمش» (1358م) فى مزاد بونهامز فى لندن مقابل 5.13 مليون جنيه استرلينى، ما يؤكد مكانة المشكاوات المملوكية كأغلى قطع الزجاج فى التاريخ لما تحمله من قيمة فنية ورمزية.
فى الختام، المشكاة لم تكن مجرد وعاء للزيت والفتيل، بل كانت وسيلة التواصل البصرى بين السلطة والمجتمع؛ فالسلطان يضع اسمه بجانب اسم الله فى آية النور، ليعلن أنه «حامى النور» وخادم بيوت الله. وفى ليالى رمضان يمتزح «نور الوحى» المكتوب على رقبتها بآية النور مع «نور الإيمان» فى قلوب الصائمين مجسداً معنى «نور على نور».