الطاقة تشعل المواجهات
مكاسب روسية مُحاصرة بقيود أوروبية
فى خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة بالشرق الأوسط، تبرز التساؤلات حول قدرة روسيا على استثمار الاضطرابات الإقليمية لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية، خاصة فى ظل استمرار الحرب بإيران وفتح العديد من الجبهات الأخرى، غير أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن موسكو تواجه معادلة معقدة تحد من تحويل هذه الفرص إلى منافع ملموسة على المدى الطويل.
تشير التطورات الميدانية إلى أن الحرب فى إيران تخلق بيئة مواتية نسبيًا للمصالح الروسية على عدة مستويات، فمن الناحية العسكرية، يؤدى انخراط الولايات المتحدة فى صراع جديد بالشرق الأوسط إلى تحويل جزء من قدراتها واهتمامها بعيدًا عن دعم أوكرانيا، ما قد يخفف الضغط عن القوات الروسية على الجبهة الأوكرانية، ما يعتبر بعض المحللين أن الرئيس الروسى «الفائز الأكيد» فى هذه الحرب، مستندًا إلى أن استنزاف المخزون الأمريكى من الصواريخ بعيدة المدى يقلص احتمالية تزويد كييف بهذه الأسلحة مستقبلًا.
أما على الصعيد الاقتصادى، فقد شكل ارتفاع أسعار النفط العالمية نتيجة التصعيد الإيرانى دفعة مباشرة للميزانية الروسية، التى تعانى عجزًا متزايدًا بسبب الإنفاق الدفاعى الضخم منذ بداية الحملة العسكرية فى أوكرانيا قبل أربع سنوات، غير أن هذه المكاسب تصطدم بالعقوبات التى تفرضها عليها العديد من الدول الغربية، أو بالتالى تحد من قدرة موسكو على تحقيق عوائد استثنائية تعكس الارتفاع الحقيقى فى الأسواق العالمية.
كما يرى بعض المحللين أن الاعتبارات اللوجستية وسلاسل الإمداد تشكل عائقًا رئيسيًا أمام استفادة روسيا الكاملة من ارتفاع الأسعار، فبعد خروج السوق الأوروبية فعليًا من معادلة الصادرات الروسية، باتت الصين المشترى الأكبر للنفط والغاز، لكن عبر عقود طويلة الأجل تخضع لأسعار مخفضة عن بورصات الطاقة العالمية.
كما تفرض القيود الغربية على قطاع النقل البحرى والتأمين قيودًا إضافية تحد من مرونة موسكو فى إعادة توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة بأسعار تنافسية، وهذه العوامل مجتمعة تجعل الاستفادة الروسية من الأزمة الراهنة محدودة النطاق، بعكس ما قد يوحى به الارتفاع الفورى فى أسعار الخام.
ويعد ارتفاع أسعار النفط وحده لا يكفى لتحقيق التوازن فى الميزانية الروسية، فالعجز المتفاقم الناجم عن النقص فى عائدات النفط والغاز التى تشكل ربع إيرادات الموازنة يتطلب قفزة سعرية كبيرة لتغطية الالتزامات المالية المتزايدة، ويحتاج سعر نفط الأورال الروسى إلى الارتفاع بأكثر من 50 بالمئة عن مستوياته الحالية ليتماشى مع افتراضات الميزانية لعام 2026، كما أن المصلحة الحقيقية لروسيا وكبار المنتجين تكمن فى الحفاظ على استقرار السوق وتحقيق توازن مستدام، بدلًا من السعى وراء مكاسب فورية قد تؤدى إلى تقلبات حادة تعمق أزمات الاقتصاد الكلى على المدى البعيد.
وأخيراً تبقى المعادلة الروسية معقدة فى ظل الأزمة الإيرانية، فهى لديها فرص استراتيجية واقتصادية واعدة، لكنها محجمة بالعقوبات وقيود البنى التحتية، لذا على الرغم من الانشغال الأمريكى بالشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، تتحرك موسكو فى مساحة ضيقة قد تمنحها بعض الوقت، لكنها لا تحل إشكاليتها الاقتصادية المعتمدة على الموارد.