هوامش
ماذا أكتب؟.. سأدعو لمصر فقط
أمسكت بالقلم منفعلًا بتلك الحرب التى اندلعت فى الشرق الأوسط لأكتب مقالًا، كتبت ثم محوت ما كتبت ثم كتبت ومحوت مرات عديدة، احترت فى الزاوية التى أكتب فيها مقالى، فالكل يتابع ما يحدث لحظة بلحظة، يتابعون الأخبار والتحليلات والحكايات والفيديوهات عبر القنوات الفضائية والسوشيال ميديا.
أكتب عن الدول العربية الشقيقة التى تتعرض للاعتداءات الإيرانية وأفند الأسباب، أم عن إيران التى تتعرض للدمار لأسباب واهية تشبه تلك التى قضت على العراق الشقيق وحولته إلى دويلات وفوضى.
أم أكتب عن مرحلة معقدة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية بالمنافسات الدولية، وتتصادم فيها مفاهيم السيادة مع منطق القوة. وأتساءل: لماذا يبدو العالم صامتًا أمام ما يُنظر إليه باعتباره انحيازًا أمريكيًا إسرائيليًا وتغليبًا لموازين القوة على قواعد القانون الدولي؟ ولماذا تبدو مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى ومحكمة العدل الدولية عاجزة عن فرض قراراتها أو كبح جماح التصعيد؟
أم أكتب عن الفترة «الترامبية» الثانية التى تبنّت فيها الولايات المتحدة خطابًا أكثر صراحة فى أولوية المصالح القومية ورفض القيود متعددة الأطراف، حيث انسحبت واشنطن من اتفاقيات دولية، وفرضت عقوبات أحادية، واعتمدت سياسة الضغط الأقصى تجاه خصومها بلغت حد خطف رؤساء، هذا التوجه عزّز الانطباع بأن ميزان القوة بات يعلو على نصوص المعاهدات، وأن النظام الدولى القائم بعد الحرب العالمية الثانية يمرّ بمرحلة إعادة تشكّل.
أم أكتب من زاوية التمييز بين تراجع فعالية المؤسسات الدولية، وبين انهيارها الكامل. فهذه المؤسسات تعكس فى النهاية توازنات الدول الكبرى؛ وعندما تحتدم المنافسة بين القوى العظمى، يتعطل الإجماع، ويُشلّ مجلس الأمن بالفيتو المتبادل.
هل أستعيد الذاكرة وأكتب عن التدخلات العسكرية الأمريكية من أفغانستان إلى العراق تلك التى تركت آثارًا عميقة على استقرار المنطقة، وأسهمت واشنطن – بشكل مباشر أو غير مباشر – فى خلق بيئات حاضنة للفوضى، سواء عبر حلّ مؤسسات الدولة أو عبر دعم أطراف محلية فى صراعات داخلية، أو صناعة ميليشيات مسلحة مثل داعش، وزرع فتن الانقسامات الطائفية.
أم أكتب عن ملف السلاح النووى الذى يعد من أكثر القضايا إثارة للجدل، فالقوى الكبرى متهمة بازدواجية المعايير: فهى تحتفظ بترسانات نووية ضخمة، بينما تمنع دولًا أخرى من تطوير قدرات مماثلة عبر نظام معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ولماذا يُسمح لإسرائيل فقط فى الشرق الأوسط بامتلاك قدرات نووية خارج إطار المعاهدة، مقابل قيود مشددة على إيران، ليُفقد احتكار القوة النووية بيد قلة من الدول، المعاهدات مصداقيتها الأخلاقية والسياسية.
هل أكتب محللًا تلك المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، التى إذا تطورت إلى صدام مباشر واسع، فإن المنطقة قد تشهد اصطفافات جديدة، فهناك قوى دولية منافسة لواشنطن قد تجد فى دعم طهران - سياسيًا أو لوجستيًا - وسيلة لكبح الهيمنة الأمريكية. وفى المقابل، ستسعى واشنطن إلى طمأنة حلفائها الإقليميين وتعزيز تحالفاتها.
أم أكتب عن توقعاتى للحدود اللبنانية الإسرائيلية التى باتت هشّة، وأن إسرائيل ربما تستغل تلك الحرب فى احتلال جنوب لبنان بزعم اعتداء حزب الله عليها بالصواريخ لتقطع خطوة كبيرة فى سبيل تحقيق حلم إسرائيل الكبرى.
أم أكتب عن المشهد الراهن الذى يعكس أزمة نظام دولى أكثر مما يعكس مجرد صراع إقليمى. فمنطق القوة يتقدم، والمؤسسات متعددة الأطراف تتراجع، والمعايير تبدو مزدوجة. لكن التاريخ يُظهر أن فترات الفوضى غالبًا ما تسبق إعادة ترتيب للتوازنات.
عن ماذا أكتب؟ لا أعرف لكننى سأدعو فقط أن يحفظ الله مصرنا من كل سوء.
فهو القادر والقدير والمقتدر.
[email protected]