بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حكايات من دولة التلاوة المصرية

الشيخ محمد صديق المنشاوى.. «الباكى المتبتل» الذى هز عرش القلوب بصوته

بوابة الوفد الإلكترونية

فى محراب دولة التلاوة المصرية، تظل تلاوة الشيخ محمد صديق المنشاوى حالة فريدة من الخشوع الربانى الذى يلامس شغاف القلوب، حيث لم يكن المنشاوى مجرد قارئ يمتلك حنجرة ذهبية، بل كان صوتاً معلقاً بالقرآن، يستحضر هيبة الآيات وجلالها فى كل حرف ينطقه، حتى لُقب بـ «المقرئ الباكى» تعبيراً عن حالة الوجد التى كانت تلاوته تُدخل المستمعين فيها.
وُلد «المنشاوى» ونشأ فى بيئة قرآنية عريقة؛ فوالده وجده كانا من كبار القراء، مما غرس فيه إتقاناً مبكراً لأحكام التجويد. ورغم تمكنه المذهل من المقامات الموسيقية، لدرجة أنه كان يتنقل بين مقامات «السيكا» و«العجم» و«النهاوند» بخفة وسلاسة، إلا أن المستمع العادى كان يشعر دائماً بنبرة «الصبا» الحزينة الخاشعة تطغى على أدائه، وكأن صوته جُبل على الشجن.
فتح القرآن للشيخ «محمد» أبواب المحبة. بقيت سيرته عطرة فى كثير من البيوت، كان يطوف محافظات الصعيد فيتسابق الناس كى يستضيفوه بمنزلهم، ولم يكن ذلك إلا غيض من فيض جولاته فى الدول العربية، فحينما ذهب لسوريا قدّمه مذيع مسجد «لالا مصطفى باشا» فى إحدى الحفلات على أنه «مقرئ الجمهورية العربية»، وهو لقب لم يحصل عليه قارئ قبله.
وتروى صفحات تاريخ دولة التلاوة مواقف مؤثرة عن قوة تأثير صوته؛ ففى إحدى ليالى العزاء، حين بدأ المنشاوى التلاوة، تحول المكان إلى ساحة من النحيب الصادق، واجتمع الناس من الشوارع المحيطة لدرجة أنهم ارتكنوا للسيارات خارج السرادق، فمضت ساعة ونصف ولا صوت يعلو فوق صوت المنشاوى الذى كان يغمض عينيه وهو يتلو «آيات الجنة» وكأنه يعيشها.
ولم يقتصر تأثيره على الكبار والعلماء، بل امتد للأطفال؛ حيث يُروى أن طفلاً صغيراً بكى بحرقة عند سماعه يتلو سورة مريم، وعندما سُئل عن السبب قال ببراءة: «أنا مش فاهم الشيخ بيقول إيه.. بس صوته وجع لى قلبى». هذه القدرة الفطرية على النفاذ إلى الوجدان هى ما جعلت الإمام الشيخ الشعراوى يقول عنه مقولته الشهيرة: «من أراد أن يسمع القرآن وهو يبكى، فليستمع إلى المنشاوى».
دخل «المنشاوى» الإذاعة المصرية عام 1954 بطريقة استثنائية؛ حيث لم يخضع للاختبارات التقليدية بعدما استمع إليه المسؤولون فى سوهاج وأدركوا حجم الموهبة التى يمتلكها. ومنذ تلك اللحظة، أصبح صوته رفيقاً دائماً لبيوت المصريين فى كل مساء أربعاء، حيث يلتف الناس حول الراديو منصتين فى خشوع تام لهذا «النهر الجارى» من الإيمان.
رحل «المنشاوى» عام 1969، تاركاً خلفه ثروة من التسجيلات التى لا تزال حتى يومنا هذا تفتح أبواب المحبة والخشوع فى قلوب الملايين حول العالم، وسيبقى «المنشاوى» رمزاً للقارئ الذى لم ينظر يوماً لجمهوره بقدر ما كان ينظر إلى السماء، فاستحق أن يضع الله له القبول فى الأرض.

محمد عاشور