بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

مراجعات

هلاك مؤجَّل!

«أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض».. مثل شعبيٌّ دارجٌ، يحكي قصة ثلاثة ثيران متجاورة، «أبيض وأحمر وأسود»، تفرَّقت حين طُلب منها تسليم أحدها ليأكله «الأسد»، وظن الباقيان أنهما ناجيان بصمتهما، لكن حين جاء الدور عليهما تباعًا، أدركا أن لحظة التفريط الأولى كانت لحظة الهلاك المؤجَّل! 
مَثَل يعبر عن نظرية سياسية واقعية، مكتملة الأركان، في فهم منطق الهيمنة، وإدارة الخوف، واستراتيجية «فرِّق تَسُد»، التي تتجسَّد حرفيًّا الآن في حرب غاشمة، تشنها الولايات المتحدة و«إسرائيل» ضد إيران.
مشاهد مروعة وجرائم حرب واغتيالات وقصف وتدمير، يمكن قراءتها فقط في سياق صراعٍ أوسع على موازين القوة، وإعادة ترتيب إقليم الشرق الأوسط، وفق خارطة جديدة تُقصي كل مشروع استقلالي خارج العباءة «الصهيوأمريكية». 
المواجهة الدائرة حاليًا، ليست حدثًا عابرًا، بل سياسة استنزاف طويلة، وحرب سرديات لا تقل ضراوة عن ترسانة الأسلحة الفتاكة، لكن الأكثر إيلامًا هو «الفراغ» العربي والإسلامي، الذي يقترب من التواطؤ، ليبدو المشهد أقرب إلى حيادٍ بارد، أو خنوعٍ يكرِّس حقيقةَ أن مَن يفتقد الإرادة يكتفي بالمشاهدة!
الآن، تواجه إيران «منفردة» أعتى الأسلحة، بقيادة تحالف الشر «الصهيوأمريكي»، لتمهيد الطريق أمام «إسرائيل» للتوسع، وصولًا لتحقيق أطماعها في «أرض الميعاد» من النيل إلى الفرات.
ورغم أن المسألة ليست ملفًا نوويًا أو برنامجًا صاروخيًّا، بل نموذج يُراد تعميمه، وهو إما الامتثال والإذعان الكامل، أو العقاب الأليم، ليكون عبرة للآخرين، فالمفارقة المُبكية أن كثيرًا من العواصم العربية والإسلامية تتعامل مع العدوان الوحشي، وكأنه لا يعنيها.. فقط بيانات خجولة، وقلقٌ دبلوماسي مصطَنَع، وصمتٌ أطول من أن يُبرَّر بالحكمة، وكل دولة تهمس في سرِّها «لسنا الثور الأبيض»!
إذن، السياسة تختلف عن الأمنيات.. لا تعترف بحصانات أبدية، ولا صفقات دائمة، وما يُمنح اليوم قابلٌ للسحب غدًا، ولذلك شَنَّت واشنطن و«تل أبيب» حربًا غير مبررة، بذريعة «الردع»، كمبرر واهٍ لتبرير عدوانٍ يفتح أبوابًا من الجحيم لن تُغلَق!
للأسف، حين يتحول «الردع» إلى سيفٍ مُسلَّط على رقبة طرفٍ بعينه، فإنه يصبح أداة إخضاع، بمعنى أن القبول بإخضاع طرفٍ اليوم، بالضرورة لن يصنع أمنًا للآخرين غدًا، بل يؤسس لسلسلة من الإخضاع المتدرِّج!
اللافت أن الجميع يعلن تمسكه بالسيادة، والكل يتحدث عن «الاستقرار الإقليمي»، الذي بالطبع لا يُبنى على انتظار سقوط الجار، بل على منع سقوطه، أما الرهان على أن العاصفة ستتوقف عند حدود بعينها، فذلك أقرب إلى إقناع النفس بأن «الأسد» سيشبع من وجبة واحدة!
أخيرًا.. الدول تُحاسَب على خياراتها، وتدفع أثمان قراراتها، لكن عندما يكون منطق «إما الرضوخ أو العقاب» قاعدة عامة في منطقتنا البائسة، فإن الجميع يصبحون مشاريع عقاب مؤجَّل، والتاريخ القريب يزخر بأمثلة دولٍ قيل إنها «استثناء»، ثم اكتشفت أنها حلقة واحدة في سلسلة ممتدة!

فصل الخطاب:
أن تكون مع إيران لا يجعلك شِيعيًّا، لكن وقوفك ضدها الآن يجعلك بالتأكيد «صهيونيًّا».

[email protected]