بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أون لاين

تحالف رقمى

فى خطوة تستحق الوقوف عندها طويلاً، وقع الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات والمجلس القومى للمرأة بروتوكول تعاون مشترك، لا يمثل مجرد حبر على ورق، بل يُجسد التقاء إرادتين مؤسسيتين حول هدف واحد، امرأة مصرية قادرة، رقمياً واقتصادياً.
لسنوات طويلة ظلت الفجوة الرقمية بين الجنسين تراوح مكانها فى كثير من المجتمعات، لا لغياب الوعى، بل لغياب الإرادة التنفيذية التى تترجم الخطاب إلى برامج حقيقية على أرض الواقع، ولهذا تحديداً يكتسب هذا البروتوكول قيمته، لأنه يتجاوز التصريحات الإعلامية إلى آليات عمل واضحة تشمل تدريباً متخصصاً، وتبادلاً فعلياً للخبرات، وتنسيقاً مؤسسياً ملزماً.
ما يستوقفنى فى هذا التعاون أنه اختار المداخل الصحيحة، الأمن السيبرانى وريادة الأعمال التكنولوجية، فالأمن السيبرانى لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة يومية لكل امرأة تستخدم هاتفها للتعامل البنكى، أو تدير مشروعاً عبر الإنترنت، أو تتواصل مع عملاء فى فضاء رقمى ملىء بالمخاطر، أما ريادة الأعمال التكنولوجية، فهى الجسر الأمتن نحو الاستقلالية الاقتصادية فى عصر تتراجع فيه الوظائف التقليدية لصالح الاقتصاد الرقمى.
البروتوكول أيضاً لا يتحدث عن المرأة وحدها، بل يمتد ليشمل الفتيات، وهنا تكمن رؤية بعيدة المدى، إذ إن تغيير واقع المرأة فى سوق العمل الرقمى يبدأ قبل سن العمل، يبدأ حين تتعلم الفتاة أن التكنولوجيا ليست حكراً على أحد، وأن الكود الذى تكتبه اليوم قد يصبح شركة ناجحة غداً.
ما يُحسب للبروتوكول كذلك انسجامه مع التزامات دولية راسخة، فى مقدمتها توجيهات الاتحاد الدولى للاتصالات لسد الفجوة الرقمية بين الجنسين، هذا الانسجام ليس مجرد استعراض دبلوماسى، بل هو ضمان منهجى بأن الجهود المحلية مبنية على معايير مُجربة ونتائج موثقة من تجارب دولية ناجحة.
غير أن الحماس المشروع لا ينبغى أن يُغفل حقيقة جوهرية، البروتوكولات تنجح أو تفشل فى مرحلة التنفيذ، لا فى مرحلة التوقيع، والسؤال الحقيقى الذى سيطرحه الزمن هو، كم امرأة استفادت فعلياً من برامج التدريب، وكم منهن تحولت من متلقية للخدمة إلى صانعة للتكنولوجيا، وكم مشروعاً رقمياً ولدت فى رحم هذا التعاون.
التحدى الحقيقى يكمن فى الوصول إلى المرأة التى تحتاج هذه البرامج أكثر من غيرها، المرأة فى المحافظات النائية، والمرأة التى تحمل أعباء أسرية تحد من وقتها، والمرأة التى تفتقر إلى الثقة بنفسها قبل أن تفتقر إلى المهارة، هؤلاء هن المعيار الحقيقى لنجاح أى مبادرة للتمكين الرقمى.
مصر التى تستهدف فى رؤيتها 2030 مجتمعاً رقمياً متكاملاً لا يمكنها بلوغ هذا الهدف بنصف طاقتها البشرية، المرأة ليست مستفيدة من التحول الرقمى فحسب، بل هى شريك أساسى فى صنعه، والبروتوكول إن تُرجم إلى أرقام حقيقية وقصص نجاح ملموسة، سيكون خطوة نحو مصر التى نريد، رقمية، عادلة، وقادرة.
الرهان كبير، والطموح مشروع، ما تبقى هو العمل.