أوراق مسافرة
صناع الموت ولصوص المستقبل «1»
كانت الشقيقتان قد حزمتا حقائب السفر استعداداً للعودة للقاهرة لمواصلة دراستهما الجامعية بها، فقد انتهت الإجازة القصيرة التي زارتا في الكويت مسقط رأسيهما لقضاء الأيام الأولى من رمضان مع والديهما، الأب مصري والأم كويتية، لكن وهما في غمرة الاستعداد، دوى فجأة صوت انفجارات مروعة لتنخلع القلوب وترتعد الأجساد هلعاً وتتخبط الأسئلة المذعورة والعيون تدور في محاجرها مع سؤال واحد لماذا؟ عبر شاشة التلفزيون تأتي الإجابة، ضربة صاروخية إيرانية على قاعدة السالم الجوية الأمريكية في الكويت، على الجانب الأخر في القاهرة كان خال الشقيقتان ينهي أجازته مع أسرته المكونة من زوجة وثلاث أطفال ليعود إلى المملكة العربية السعودية لمواصلة عمله في قطاع هندسة البترول، فإذا بالخبر الصاعق، منع الطيران المدني بسبب الحرب الغاشمة التي بدأتها إسرائيل وأميركا على إيران، ومن ثم رد إيران بضرب إسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية في دول الخليج، فأوقفت دول الخليج وأيضا مصر حركة الطيران المدني خشية استهدافها ولو عن طريق الخطأ بالصواريخ المتبادلة بين طرفي الحرب.
هذا مشهد هامشي قد يعتبره البعض عابراً داخل أسرة واحدة لم يتمكن أولادها من العودة للجامعة انتظاراً لانتهاء الحرب، وتم فيه قطع عيش رب أسرة أخرى لنفس السبب وعدم تمكنه من العودة حتى لوطنه، وقس على هذا مئات الألاف من القصص المشابهة داخل الأسر العربية، في إيران كان هناك مشهداً أكثر درامية ودموية، ألاف يصرخون بجنون بحثاً عن أشلاء أطفالهم تحت أنقاض مدرستهم الابتدائية، ملائكة في عمر الزهور دماءهم غطت كتبهم وكراريسهم ولونت أغطية رؤوسهن البيضاء ودفنت أجسادهم تحت جدران مدرسة كانت قبل دقائق تعدهم بمستقبل واعد وحياة أفضل، لكن فجأة انتهى الدرس بدرس الكبار المتصارعون على الثروات، الطامعون فيما ليس لهم، فقد قصفت إسرائيل المدرسة لتكرر نفس سرديتها الوحشية على مدرسة بحر البقر بمحافظة الشرقية عام 1970، مجرد أطفال ليس لهم ذنب في صراعات الكبار وأطماعهم الشيطانية لنهب ثروات نفط أو غاز، ليس لهم علاقة برغبة أميركا في تركيع إيران وإجبارها على الولاء والتعامل بالدولار، ليس لهم ذنب في أطماع إسرائيل الهلامية بدولة لهم تمتد من النيل للفرات، استهداف المدنيين العزل خاصة الأطفال سردية وحشية لبث الرعب وتكريس القتل وسرقة مستقبل الأجيال، نفس ما فعلته إسرائيل في غزة بجبروت متفرد مدعوم من أميركا وها هي تواصل سلسال الدم دون رادع.
في دول الخليج التي كادت تنسى أثار الحرب الكويتية العراقية عامي 1990 و 1991بكل تداعياتها على الجميع من مرارة الخوف والشتات، تستعيد الأن الذكريات المريرة، يتخلخل بها الأمن والاستقرار، يعم الذعر وترقب الموت والفقد بسقوط صاروخ هنا أو هناك يتجاوز الأهداف العسكرية ليطول المدنيين، يتم إزاحة كل الخطط والمشاريع المستقبلية من عمل واستثمار وتهتز البورصة وبيوت المال لتتوه بين توقعات أمد الحرب وقرارات العسكريين وتحليلات السياسيين، تتصلب الأعناق أمام الشاشات لترقب ما سيصدر عن ألسنة الكبار وقد الغى الجميع كل خطط الاحتفال بعيد الفطر.
في مصر التي تعافر للإفلات من عنق الزجاجة الاقتصادي، يتم إغلاق جزء من الزجاجة بمنع تصدير الغاز إليها من إسرائيل ليطرح فرضية ارتفاع أسعار الطاقة، تعلن شركات شحن عالمية توقيف رحلات سفنها العابرة بقناة السويس و وكذلك عبر باب المندب حتى لا تكون هدفا حربيا، لتخسر مصر جزئيا جانباُ من دخلها القومي .
في دول أوروبا قاطبة يتفجر الذعر الشعبي مع إعلان بريطانيا وفرنسا وألمانيا تشكيل تحالف للدخول على الخط خلف أميركا لضرب إيران ، فترفع روسيا تحذيراتها لهم بمحاصرة قواتهم العسكرية بفرقاطاته المسلحة بصواريخ موجهة، طوربيدات، ومروحيات، ليقف الوضع العالمي على حافة حرب عالمية ثالثة، يهرول المواطنون للشراء الأطعمة الجافة وزجاجات المياه لتكديسها في بيوتهم، ويبدأ أفراد الأسر الآمنين في توصية بعضهم البعض، أين سيدفنون إذا ما طال أحدهم موت الحرب قبل الأخر، يوصي الاباء الأبناء كيف سيتصرفون في مستقبلهم إذا نجو وحدهم، هكذا صار حديث الموت في البيوت والشوارع بدلا من الحديث عن المستقبل، عن فرحة الأعياد وعن حالة الطقس، هل يدري صناع الموت كل هذه التفاصيل، هل يدرون أنهم يسرقون المستقبل من أجيال قادمة..وللحديث بقية
هامش: كان من المفترض أن اكمل حلقات « وثائق وحوش تحكم العالم» لكن الحرب فرضت نفسها لإرجاء ما تبقى من الحلقات لاحقاً.
[email protected]