بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

القاهرة في عيون التاريخ.. كتابات الرحالة عن رمضان.. ندوة الأعلى للثقافة

بوابة الوفد الإلكترونية


منذ العصر الفاطمي إلى اليوم.. كيف وثّق الرحالة ملامح رمضان المصري

 

تحت رعاية الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، وبإشراف الدكتور أشرف العزازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة،  واللجان الثقافية، أقيمت ندوة بعنوان «رمضان في عيون الرحالة والأدباء» بمقر المجلس.
أدار الندوة الدكتور أيمن صابر سعيد، كاتب وناقد، وشارك فيها الدكتور أيمن فؤاد سيد، أستاذ التاريخ وخبير المخطوطات.
بداية أوضح الدكتور أيمن فؤاد سيد أن مظاهر الاحتفال برمضان في مصر ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى العصر الفاطمي، حيث وُجد توثيق دقيق للاحتفالات الدينية التي أقامها الفاطميون. وأضاف أن العالم الإسلامي عرف عيد الفطر وعيد الأضحى باعتبارهما المناسبتين الأساسيتين، غير أن الفاطميين أدخلوا إلى مصر احتفالات متعددة ارتبطت بالأول من رجب، والأول من شعبان، ومنتصف رجب، ومنتصف شعبان، إلى جانب الاحتفال بمولد السيدة فاطمة وعلي رضي الله عنه، وهو ما أضفى على الحياة الدينية طابعًا احتفاليًّا منظمًا.
وأشار إلى أن صورة رمضان في مصر نقلها عدد من الرحالة الذين زاروا البلاد في العصر الفاطمي، إذ وثّقوا جوانب مهمة من الحياة آنذاك. ومع انتقال مصر إلى العصر المملوكي، تزايدت أعداد الرحالة الأجانب الذين شدتْهم خصوصية الاحتفال برمضان في القاهرة، فسجلوا دهشتهم من طقوس لم يشاهدوها في بلدانهم. ويأتي في مقدمتهم الرحالة الشهير ابن بطوطة، الذي وصف احتفال المصريين برؤية هلال رمضان وما يصاحبه من أجواء مبهجة، كما رصد رحالة أوروبيون في أواخر العصر المملوكي مشاهد إضاءة الفوانيس واستمرار فتح محال الأطعمة لساعات متأخرة من الليل.
من جانبه، أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ بجامعة قناة السويس، أن الحديث عن رمضان لا يُملّ، وأن الشهر الكريم يظل قادرًا على تجديد البهجة كلما أُعيدت رواية تفاصيله، مشيرًا إلى أن كثيرًا من القضايا التي تُثار عبر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم حول أصول زينة رمضان ومظاهر الاحتفال به تجد إجاباتها في صفحات التاريخ.
وأوضح أن فكرة استطلاع الهلال في مصر ارتبطت بمؤسسة رسمية كان يتولاها قاضي القضاة، حيث كان المصريون يستقبلون الهلال «بعين ترى وعين تحسب»، في مشهد يجمع بين الرؤية الشرعية والحساب الفلكي، بما يعكس منظومة مؤسسية جمعت بين العلم والفقه والدولة.
وتوقف عند تقليد مدفع الإفطار، الذي انطلق أول مرة من قلعة صلاح الدين، ثم من جبل المقطم، ليصل صوته إلى أكبر مدى ممكن، مؤكدًا أن المصريين نجحوا في تحويل آلة الحرب إلى أداة للفرح؛ فصار المدفع، الذي كان يومًا نذير حرب، بشارة لإفطار الصائمين، وانتقلت الفكرة لاحقًا إلى عدد من البلدان الإسلامية.
كما استعرض عددًا من العادات الشعبية ذات الطابع الرمزي، مثل المرور بين عمودين في جامع عمرو بن العاص خلال ما يُعرف بالجمعة اليتيمة، وهي آخر جمعة في رمضان، حيث اعتبرها المصريون تعبيرًا عن أمنية قبول الصيام، رغم أنها ليست طقسًا فقهيًّا ملزمًا. وتناول كذلك ما ارتبط بأسطورة غار حراء، حيث كان بعض المعتمرين يمرون من فتحة ضيقة رمزًا لقبول العبادة.
وتطرق إلى زينة رمضان التي تُعد أحد أبرز ملامح الشهر في مصر، حيث تتزين الشوارع بالفوانيس والهلال والنجوم في مشهد يجمع بين البهجة والروحانية. وأكد أن الفانوس رمز مصري نشأ في العصر الفاطمي وتطور عبر العصور، فيما ارتبطت ألوان رمضان بالأحمر والأزرق والأخضر والذهبي، وانتقلت الزينة من الشوارع إلى البيوت لتؤكد أن لرمضان في مصر بصمة خاصة تمزج بين الأصالة والعصرية.
ولم تغب شخصية المسحراتي عن النقاش، إذ أشار إلى أن صوته سبق الفجر بقرون، حيث تحول في العصر الفاطمي من طرق الأبواب إلى استخدام الدف لإيقاظ الناس للسحور، في طقس شعبي متوارث. كما جرى الحديث عن الأطعمة المصرية المرتبطة بالشهر الكريم، وفي مقدمتها الكنافة، التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الرمضانية.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن رمضان في مصر ليس مجرد شهر عبادة، بل هو حالة اجتماعية وثقافية متكاملة صنعتها قرون من التفاعل بين الدين والحياة اليومية، حتى صار الشهر الكريم في الوجدان المصري مناسبة تمتزج فيها الروحانية بالفرح في صورة فريدة لا تتكرر في مكان آخر.