أثرٌ يبقى | «الرفق» عملة نادرة نبحث عنها جميعا
فى زحام الشارع المصرى قبل الإفطار بساعة، وفى طوابير المخابز والمجمعات الاستهلاكية، وفى ضغط المكاتب والمصالح الحكومية، تظهر عملة نادرة نبحث عنها جميعا، تسمى «الرفق»،وهو ليس مجرد طيبة قلب، بل هو ذكاء روحى وقوة هائلة فى كسب القلوب وإنجاز المهام بأقل قدر من الخسائر النفسية.
فى رحلة «أثرٌ يبقى»، نكتشف أن الرفق هو الزيت الذى يمنع تروس الحياة من التآكل والاحتكاك المؤلم.
يقول النبي ﷺ فى جملة دستورية بليغة فى حديثه الشريف: «إن الرفق لا يكون فى شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه»، تأمل كلمة «زانه» أى جعله جميلا وجذابا، فالحق الذى يُقال بعنف قد يُرفض، والنصيحة التى تُقدم بغلظة قد تُنفر، أما الرفق فهو المفتاح السحرى الذى يفتح القلوب المغلقة، ويحول العداوة إلى صداقة، والتوتر إلى سكينة.
فى رمضان، يظن البعض أن النرفزة والعصبية ضريبة لابد منها للصيام، لكن الحقيقة أن الصيام شُرع ليزيدنا رفقا لا غلظة، الرفق يبدأ من أسلوبك مع عامل الدليفرى الذى تأخر قليلا، ومع الموظف الذى أرهقه الصيام، ومع أطفالك الذين يملؤون البيت ضجيجا وأنت تحاول التركيز، الرفق هو أن تضع نفسك مكان الآخرين قبل أن تحكم عليهم أو تنفجر فى وجوههم.
إن «الأثر الذى يبقى» للرفق هو السمعة الطيبة والذكر الحسن، الإنسان الرفيق يحبه الله ويحبه الخلق، ويضع الله له القبول فى الأرض، الرفق هو الذى يجعل من بيتك جنة هادئة وسط صخب العالم، ويجعل من عملك بيئة إبداع لا بيئة صراع.
تذكر أن الله تعالى «رفيق يحب الرفق»، ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف، فكلما كنت هينا لينا سهلا مع الناس، كنت أقرب إلى قلب النبي ﷺ، وأكثر استحقاقاً لرحمة الله فى هذه الأيام المباركة، الرفق لا يحتاج إلى مجهود، بل يحتاج إلى قرار بأن تكون إنسانا لطيف الأثر.
اليوم، ونحن فى قلب شهر الرحمة، لنحاول أن نعتمد سياسة اللين، جرب أن تمتص غضب الآخرين بابتسامة رفيقة، وأن تطلب حاجتك بكلمة «من فضلك»، وأن تشكر الناس بـ «جزاك الله خيرا»، ستكتشف أن الرفق لا يزين الأشياء فقط، بل يزين روحك أنت أولا.
رسالة اليوم:
«كن رفيقا بنفسك أولا، فلا تحملها ما لا تطيق، ثم كن رفيقا بكل من تقابله اليوم، إذا واجهت موقفا يستدعى الغضب، تنفس بعمق وقل: (اللهم اجعلنى من الرفقاء)، تذكر أن الكلمة اللينة تكسر العظم القاسى، وتترك أثرا فى النفوس لا يمحوه الزمن».