قضية ورأي
نار الحرب التى أوقدتها إسرائيل
بعد عقود من الاستنزاف المذهبى والسياسى، وصلنا إلى عام حاسم فى تاريخ العلاقات «العربية–الإيرانية»، لأنه يمثل اختبارًا حقيقيًا للمستقبل حتى وإن اشتدت الحرب الجارية.
ورغم وقع القصف الأمريكى الإسرائيلى العنيف على إيران، ورغم الرد الإيرانى الواسع الذى طال أشقاءنا فى الخليج.. لكن يبدو أن المنطقة بدأت تستوعب درسًا قاسيًا تعلمته على مدار أربعة عقود، مضمونه أن الحروب المذهبية لا رابح فيها.
طوال السنوات الماضية، كانت إسرائيل تدفع فى اتجاه حرب سنية شيعية، مستفيدة من أطماع إيرانية.. وكانت التوقعات تشير إلى انفجار إقليمى مع كل أزمة سياسية.. لكن نجحت القوى الفاعلة خصوصا مصر والسعودية والكويت فى كبح جماح الفتنة الطائفية، وهو ما يستحق التقدير.
أزمة الخليج فى ثرواته التى جعلته محط أطماع الجميع، من القوى الاستعمارية خصوصا بريطانيا ووريثتها الولايات المتحدة، ومن إسرائيل، ومن إيران، ومن صدام حسين فى وقت ما قبل تدميره.
قبل ثورة الخومينى 1979، كان الصراع بين إيران ودول الخليج يتمحور حول النفوذ الإقليمى فى مياه الخليج العربى بين «إمبراطورية الشاه» والدول العربية الصاعدة، وكان صراعًا على السيادة والجزر والثروات النفطية.
و مع قيام «ثورة الخومينى»، تحول الصراع إلى طابع «أيديولوجى»، فى ظل تبنى طهران لمبدأ «تصدير الثورة»، مما خلق صدامًا مباشرًا مع النظم العربية، وبالتالى اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) التى كانت الشرارة الأولى لتسييس المذهب.
بعدها بسنوات مريرة، وتحديدا فى 2003 ومع الغزو الأمريكى للعراق، سقطت البوابة الشمالية للعالم العربى تماما، وفتح المجال لتدخلات مذهبية مباشرة أدت إلى حرب أهلية طائفية فى العراق، انتقلت عدواها لاحقًا إلى سوريا واليمن ولبنان.
وبعد 20 عاما أى فى 2023، أثبت التقارب السعودى الإيرانى الذى تم برعاية صينية أنه ليس مجرد مناورة، بل ضرورة اقتصادية، لأنه كان علامة وعى سعودى كبيرة.
أدركت دول المنطقة أن مشاريعها الطموحة لا يمكن أن تنجح فى ظل استنزاف الموارد فى حروب بالوكالة، فى اليمن والعراق وسوريا ولبنان.. فآثرت التهدئة.
طوال العام الماضى، تراجع «الزخم الطائفى» لدى الشعوب، وحلت محله المطالبة بالاستقرار المعيشى والخدمات، مما أفقد المحرضين على الفتنة وقودهم الرئيسى.
لكن إسرائيل لم تكن لتسكت وهى ترى نار الحرب التى خططت لها بين السنة والشيعة فى المنطقة كلها، تنطفىء، إذ كانت تريد القذيفة الأولى على طهران من السعودية أو مصر.. لكن الدولتان وعيتا الخطة جيدا.
فكان الحل هو الاستفادة من «ترامب» الذى يبحث عن معارك خارجية يغطى بها على أزماته داخل الولايات المتحدة، وقد أصبحنا على ما نرى من إشعال حرب جديدة فى الخليج.
الوقت ليس وقت مزايدات، وإنما يحتاج حكمة سياسية حتى ننجو جميعا مما تبقى من خطط لتدمير المنطقة.