بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أصحاب الأرض

للحزن دورة كما للسقوط دورة, فالحزن يبدأ بالإنكار ورفض الحادث أو الفجيعة, ثم يظهر الغضب المشوب بالأسى, وقد يكون الغضب عنيفاً مؤذياً للنفس وللآخرين, ثم تبدأ مرحلة المقايضة بين النفس والذات وبين الواقع المرير من حولنا وحينها نصل إلى مرحلة اليأس والاكتئاب من جدوى الحياة وتلك الفواجع والآلام التى ألمت بنا، وأخيراً لتستقر الحياة فى دورتها, ومن أجل البقاء والنجاة نجد مرحلة القبول بالأمر الواقع بل والتعود عليه, لكنه الإيمان الذى قد يصل بك إلى الرضى بما حدث وما كان..هذا هو وصف حالة السقوط الإنسانى والاجتماعى والسياسى للبشر والدول.. فبعد أن فاجأنا الكيان الدخيل بعد حربى ١٩٤٨ و١٩٦٧، وكذلك نصر ١٩٧٣ أصبح وجودهم أمراً واقعياً وصارت فجيعة الإحتلال للأراضى الفلسطينية قضية دولية وعربية وقابلتها الشعوب العربية بالإنكار، وعدم تصديق أن هذه الجرثومة السياسية سوف تنخر ليس فقط فى جسد فلسطين ولكن فى جسد الأمة العربية والإسلامية رويداً رويداً.. وبعد الإنكار كان هناك الغضب والحروب الثلاث، وولدت المقاومة الفلسطينية وفتح وحماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية وكانت الشعوب والدول فى نصرة هذة المقاومة وتلك الانتفاضات المتتالية من الأولى إلى الثانية والثالثة.. وبعد الغضب بدأت المرحلة السياسية للمفاوضات والمقايضة بين الحروب والدمار وبين إتفاقيات السلام والتقسيم للضفة وغزة وتحديد الحدود الجديدة فى الجولان وجنوب لبنان.. وكانت مرحلة اليأس والاكتئاب داخل الأمة العربية, وحتى الأراضى المحتلة, والتى أدت إلى قبول الأمر الواقع والرضا بهذا الكيان بل , والتعاون معه والتعامل معه إقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً على مستوى العديد من دول الجوار؛ خاصة دول الخليج, وانتظر العالم لحظة التطبيع الكبرى مع الدولة العربية الإسلامية الكبرى دولة الحرمين الشريفين.. وفجأة دونما سابق إنذار كانت تلك الحرب غير الإنسانية وغير المتكافئة فى ميزان القوى والأسلحة العسكرية والدعم الغربى الأمريكى.. حرب السابع من أكتوبر 2023 وهنا انقلبت كل الموازين وتغيرت الصورة والحالة وانكشف الغطاء.. فهذا الكيان لن يكون له وجود بين الشعوب وإن كان له مكان على موائد وطاولات السياسة شرقاً وغرباً.. ومن هنا جاء مسلسل «أصحاب الأرض» إنتاجاً مصرياً دلالة على عمق وقوة وصلابة الموقف المصرى..كتابة العمل للأبطال الصامدين فى غزة وعمار صبرى ومن إخراج المخرج المتميز فى هذة النوعية من الدراما الوثائقية «بيتر ميمي».

تلك الدراما التى هى توثيق وتسجيل حى للأحداث وقصص حقيقية, حيث تبرز براعة السيناريو والإخراج فى مزج الواقع مع الخيال أو الحقيقى فى ثنايا الإبداع.. فالمشاهد ومناطق التصوير واقعية إعتماداً على صور حية وإن كانت ديكوراً متقناً.. الأحداث كتبت عن روايات وشخوص عاشت وماتت وتعذبت على رمال تلك الأرض الطاهرة حتى وإن تغيرت الأسماء وتبدلت المواقف؛ إلا إن كل مشهد وكل حوار وكل تفصيلية قد حدثت فى زمان تلك الحرب الوحشية، حرب الإبادة التى مارسها الكيان على أهلنا العزل من الصغار والنساء والشيوخ والشباب، وقد قتلوا أهلهم واغتصبوا نسائهم ووأدوا صغارهم وحرقوا زرعهم وهدموا بيوتهم وسرقوا حلمهم، المسلسل وثيقة تاريخية فنية حية وشاهد على وحشية العالم المتحضر, وهمجية الكيان وخضوع الجيران وما يسمون أنفسهم أشقاء.

الموسيقى التصويرية والكلمات تكمل الحالة السوداوية وتؤصل للفلكلور الفلسطينى والثقافة الشعبية لأصحاب الأرض.. «منة شلبى» كتبت شهادة ميلاد جديدة وخطت اسمها بحروف من صدق وتلقائية وقدرة على التعبير الصامت الدفين الذى يعبر عن جموع المتألمين الصامتين العاجزين.. «إياد نصار» متوهج كعادته متميزة فى التشخيص والتقمص فى عفوية وحرفية, حتى عصام السقا» قدم دوراً له بصمات وملامح جديدة.. الأستاذ «إبراهيم» و«مجد» و«أبو على» فيض من نهر فنى رافد وارد.

«صحاب الأرض» مسلسل مصرى لأهلنا وتاريخنا ولبطولة الصمود ومتانة وصلابة الرابط الرابض دائما وأبداً على أرض الكنانة حفظها الله.