آراء المذاهب الفقهية في حكم قطع الصيام بمجرد نية الإفطار
اختلف الفقهاء في الصائم ينوي الخروج من غير أن يأتي مفطرا هل يفسد صومه بمجرد نيته أم لا ؟
1-المذهب الأول:فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في وجهٍ وابن حامد من الحنابلة إلى أن مجرد نية الصائم الفطر مع عدم إتيانه بمفطِّر لا تُبطل الصوم، بل صومه صحيحٌ تامٌّ؛ لأن نية الإفطار لم يتصل بها فعلٌ مُفطِّر.
قال علاء الدين الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 92، ط. دار الكتب العلمية): [ولو نوى الصائم الفطر ولم يُحْدِث شيئًا آخر سوى النية: فصومه تامٌّ.. ولنا: أن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع ما لم يتصل به الفعل؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى عَفَا عَنْ أُمَّتِي مَا تَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَفْعَلُوا»، ونية الإفطار لم يتصل بها الفعل لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى عَفَا عَنْ أُمَّتِي مَا تَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَفْعَلُوا»، ونية الإفطار لم يتصل بها الفعل، وبه تبين أنه ما نقض نية الصوم بنية الفطر؛ لأن نية الصوم نيةٌ اتصل بها الفعل، فلا تبطل بنية لم يتصل بها الفعل، على أن النية شرط انعقاد الصوم لا شرط بقائه منعقدًا، ألَّا ترى أنه يبقى مع النوم، والنسيان، والغفلة!] اهـ.
وقال العلَّامة الصاوي المالكي في "حاشيته على الشرح الصغير" (1/ 708، ط. دار المعارف): [قوله: "رفع نية لصومه نهارًا" بأن قال في النهار وهو صائم: رفعتُ نيةَ صومي أو رفعتُ نيتي عليه، أما مَن عزم على الأكل أو الشرب ثم ترك ما عزم عليه: فلا شيء عليه؛ لأن هذا ليس رفعًا للنية، وقد سئل ابن عبدوس عن مسافر صام في رمضان فعطش فَقُرِّبَتْ له سفرتُه ليُفطر وأهوى بيده ليشرب، فقيل له: لا ماء معك، فكف، فقال: أُحِبُّ له القضاء، وصوب اللخمي سقوطَه، وقال: إنه غالب الرواية عن مالك، وكذلك في "المجموع"، ومعنى رفع النية: الفطر بالنية لا نية الفطر، فلا يضر إذا لم يُفطر بالفعل؛ كما في (ر)، وهو معنى ما في غيره: إنما يضر الرفضُ المطلقُ، أما المقيدُ بأكلِ شيء فلم يوجد؛ فلا. ومنه: مَن نوى الحدث في أثناء الوضوء فلم يُحْدِث؛ ليس رافضًا] اهـ.
2-المذهب الثاني: و ذهب الشافعية في قول لهم إلى أن من نوى الخروج من صومه ،فقد بطل صومه و إن لم يأت مفطر ،و هذا اختيار ابن حزم رحمه الله.
قال الإمام الشيرازي الشافعي في "المهذب" (1/ 333، ط. دار الكتب العلمية): [ومَن دخل في الصوم ونوى الخروج منه: بطل الصوم؛ لأن النية شرط في جميعه، فإذا قطعها في أثنائه بقي الباقي بغير نية، فبطل، وإذا بطل البعض بطل الجميع؛ لأنه لا ينفرد بعضه عن بعض.. والأول أظهر؛ لأن الحج لا يخرج منه بما يفسده، والصوم يخرج منه بما يفسده، فكان كالصلاة] اهـ.
وقال شمس الدين الزركشي الحنبلي في "شرحه على مختصر الخرقي" (1/ 424): [قال: "ومن نوى الإِفطار فقد أفطر". ش: هذا هو المذهب المعروف المشهور؛ لأنها عبادة من شرطها النية، فبطلت بنية الخروج منها كالصلاة، ولأنه قد خُلِّيَ جزء من العبادة عن النية المشترطة لجميع العبادة، والمركب يفوت بفوات جزئه؛ فيبطل] اهـ.
وقال الشيخ البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 316، ط. دار الكتب العلمية): [(ومن نوى الإفطار: أفطر)؛ لأنه قد قطع نية الصوم بنية الإفطار، فكأنه لم يأت بها ابتداء (فصار كمن لم ينو) الصوم (لا كمن أكل) ونحوه، (فلو كان) نوى الإفطار (في نفل ثم عاد: نواه) نفلًا (صحَّ) نصَّ عليه، (وكذا لو كان مِن نذر أو كفارة، فقطع نيته ثم نوى نفلًا)، بخلاف ما إذا كان من قضاء رمضان على طريقته.