بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

كيف تحولت القارة إلى خريطة قواعد عسكرية في حرب عالمية بلا إعلان ؟

 

لم تعد القواعد العسكرية في أفريقيا مجرد ترتيبات أمنية تقليدية أو اتفاقيات دفاع مشترك، بل أصبحت المؤشر الأخطر على شكل النظام الدولي القادم. القارة التي كانت قبل عقدين فقط تُوصَف بأنها هامش السياسة العالمية، تحولت اليوم إلى قلب صراع استراتيجي مفتوح بين القوى الكبرى، حيث تُرسم خرائط النفوذ لا عبر الحدود السياسية بل عبر مدارج الطائرات العسكرية ومراكز المراقبة وقواعد الطائرات بدون طيار. ما يحدث الآن ليس انتشارًا عسكريًا عابرًا، بل إعادة تقسيم غير معلنة لأفريقيا في ظل صراع عالمي يتجنب المواجهة المباشرة ويبحث عن مسارح نفوذ بديلة.
التحول بدأ بوضوح بعد تراجع الدور الفرنسي التقليدي في الساحل الأفريقي، خصوصًا عقب الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي وبوركينا فاسو ثم النيجر، وهي دول كانت تمثل العمود الفقري للانتشار العسكري الفرنسي منذ عقود. خلال سنوات قليلة، خسرت فرنسا قواعد رئيسية وقوات بلغ عددها أكثر من خمسة آلاف جندي في منطقة الساحل، في مشهد اعتبره مراقبون أكبر تراجع لنفوذ عسكري أوروبي في أفريقيا منذ نهاية الحقبة الاستعمارية. انسحاب باريس لم يترك فراغًا طويلًا، بل فتح الباب لدخول لاعبين جدد بسرعة غير مسبوقة.
برزت روسيا باعتبارها المستفيد الأكثر وضوحًا من التحول. فبدل القواعد العسكرية التقليدية، اعتمدت موسكو نموذجًا مختلفًا قائمًا على الشراكات الأمنية والتدريب العسكري وانتشار شركات أمنية مرتبطة بالدولة. في جمهورية أفريقيا الوسطى ارتفع عدد المدربين والعناصر الأمنية الروس إلى آلاف الأفراد، وأصبحت العاصمة واحدة من أبرز نقاط النفوذ الروسي في القارة، بينما اتجهت حكومات الساحل الجديدة نحو التعاون العسكري مع موسكو بحثًا عن بديل سياسي وأمني للغرب. هذا التمدد لم يكن مجرد تعاون أمني، بل أعاد رسم توازنات القوة في منطقة غنية بالذهب واليورانيوم والمعادن الاستراتيجية.
في المقابل، لم تتراجع الولايات المتحدة عن حضورها العسكري، لكنها أعادت صياغته. واشنطن تدير شبكة واسعة من المواقع العسكرية ونقاط العمليات في أفريقيا تُقدَّر بعشرات المواقع بين قواعد دائمة ومراكز مراقبة. وتُعد قاعدة الطائرات بدون طيار في جيبوتي واحدة من أهم مواقعها عالميًا، حيث يتم منها تنفيذ عمليات مراقبة تمتد من القرن الأفريقي حتى شبه الجزيرة العربية. كما حافظت الولايات المتحدة لسنوات على وجود يقارب ألف جندي في النيجر قبل إعادة تقييم انتشارها عقب التحولات السياسية الأخيرة، في مؤشر على أن أفريقيا أصبحت جزءًا أساسيًا من استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المرتبطة بمكافحة الإرهاب ومنافسة القوى الكبرى في آن واحد.
أما الصين فقد اختارت طريقًا أكثر هدوءًا لكنه لا يقل تأثيرًا. ففي عام 2017 افتتحت بكين أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي بالقرب من أهم طرق التجارة العالمية، وهي قاعدة قادرة على استقبال حاملات طائرات وسفن حربية ضخمة. القاعدة الصينية لا تخدم فقط عمليات مكافحة القرصنة، بل تؤمّن شبكة الاستثمارات الصينية التي تجاوزت مئات المليارات في البنية التحتية والموانئ الأفريقية ضمن مبادرة الحزام والطريق. وهنا يظهر التحول الحقيقي: القواعد العسكرية لم تعد منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبحت أداة لحماية النفوذ التجاري العالمي.
الأرقام تكشف حجم التحول. تشير تقديرات مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى وجود أكثر من ثلاثين موقعًا عسكريًا أجنبيًا نشطًا في أفريقيا اليوم، موزعة بين قوى كبرى وإقليمية، بينما تضاعف الإنفاق العسكري المرتبط بالعمليات في الساحل والقرن الأفريقي منذ عام 2015. القارة التي كانت تُعرف بأنها منطقة عمليات سلام تابعة للأمم المتحدة أصبحت ساحة تنافس مباشر بين جيوش عالمية، كل منها يسعى لتأمين موقعه قبل تشكل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
لكن أخطر ما في الظاهرة ليس عدد القواعد بل طبيعتها السياسية. الحكومات الأفريقية الجديدة لم تعد تتعامل مع الوجود العسكري الخارجي كامتداد للنفوذ الاستعماري فقط، بل كأداة تفاوض للحصول على الدعم السياسي والسلاح والاستثمارات. بمعنى آخر، لم تعد القوى الكبرى وحدها من تبحث عن أفريقيا، بل أصبحت دول القارة نفسها تدير لعبة توازنات معقدة بين الشرق والغرب لتحقيق مكاسب سيادية واقتصادية.
هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تشهد أفريقيا عودة الجيوش الأجنبية أم ولادة نظام أمني عالمي جديد يبدأ من الجنوب العالمي؟ الواقع يشير إلى أن القواعد العسكرية أصبحت لغة النفوذ الجديدة، وأن الصراع الدولي انتقل من أوروبا والشرق الأوسط إلى أفريقيا حيث المساحات الواسعة والموارد الاستراتيجية والأنظمة السياسية المتحولة. وفي عالم يتجنب الحرب المباشرة بين القوى الكبرى، تبدو القارة السمراء وكأنها المسرح الذي تُدار فيه الحرب الباردة الجديدة، لكن هذه المرة بطابع أفريقي خالص، حيث تتقاطع المصالح الدولية فوق أرض تبحث منذ عقود عن الأمن والتنمية والسيادة في آن واحد