هل تجوز القراءة من المصحف في صلاة التراويح؟
أجاز عددٌ من الصحابة والسلف القراءةَ من المصحف في صلاة التراويح، لا سيما عند الحاجة، واستدلوا بما ورد من آثارٍ صحيحة في ذلك.
فقد ثبت أن السيدة عائشة رضي الله عنها كان يؤمّها غلامٌ لها يُدعى ذكوان في رمضان، وكان يقرأ من المصحف. وسُئل ابن شهاب الزهري رحمه الله عن الرجل يؤم الناس في رمضان من المصحف فقال: «ما زالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام، كان خيارُنا يقرؤون في المصاحف».
ورُوي عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، أنه كان يأمره أن يقوم بأهله في رمضان ويقرأ لهم من المصحف، ويقول: «أسمعني صوتك». وقال عطاء: «لا بأس به». وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: «لا أرى بالقراءة من المصحف في رمضان بأسًا»، يقصد صلاة القيام.
وسُئل الإمام مالك عن أهل قريةٍ ليس فيهم من يحفظ القرآن كاملًا، أيرى أن يجعلوا مصحفًا يقرأ لهم رجلٌ منهم فيه؟ فقال: «لا بأس به». لكن لما سُئل: هل يصلي من حفظ القرآن خلف من يقرأ من المصحف؟ قال: «لا، ولكن ليصلِّ في بيته».
أما الإمام أحمد، فرخّص في القراءة من المصحف في قيام رمضان، وإن كان لا يستحسن ذلك إلا عند الحاجة، وقال: «ما يعجبني إلا أن يُضطر إلى ذلك»، وبه قال إسحاق بن راهويه.
بدء القراءة في أول ليلة
اعتاد كثيرٌ من المسلمين البدء بسورة البقرة في أول ليلة من رمضان لمن أراد ختم القرآن، غير أن أهل المدينة – كما نقل أبو حازم – كانوا إذا دخل رمضان يبدؤون في أول ليلة بقوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا}.
من يُقدَّم للإمامة؟
كان هدي الصحابة والسلف أن يؤمّ الناسَ أحفظُهم للقرآن وأجودُهم قراءةً مع مراعاة أحكام التجويد، لا مجرد أحسنهم صوتًا. ولم يكن من منهجهم اختيار من يُبالغ في التغني بالقرآن؛ لأن ذلك قد يُذهب الخشوع ويصرف السامعين عن التدبر.
وقد وقع شيءٌ من ذلك في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ مال الناس إلى قارئٍ حسن الصوت، فقال عمر: «قد اتخذوا القرآن أغاني، والله لئن استطعت لأغيرنَّ هذا»، فلم تمضِ ثلاث ليالٍ حتى جمع الناس على أُبيّ بن كعب رضي الله عنه.
كما نُقل عن بعض السلف إنكارهم ما يشبه ألحان الغناء في التلاوة؛ فقد قال أيوب رحمه الله عن رجلٍ قَدِم المدينة يصلي بالناس في رمضان، فلما سمع سالم مولى ابن عمر قراءته خرج يقول: «غناءٌ غناء». وقال سعيد بن جبير منكرًا: «الأعمى وابن الصيقل يُغنيانكم بالقرآن».
وفي النهاية القراءة من المصحف في صلاة التراويح جائزة عند جمهور من السلف، خاصة عند الحاجة، مع بقاء الأفضلية للحفظ لمن تيسّر له. كما أن الأصل في الإمامة تقديم الأقرأ والأفقه، مع تحرّي الخشوع والبعد عن التكلف في الألحان التي تُخرج التلاوة عن سمتها الشرعي.