خارج السطر
أكره الحرب وأستعد لها
فى 2017 جمع الشاعر العراقى آزاد إسكندر مقاطع شعر من كل بلاد العالم فى ذم الحرب ضمن كتاب ساحر بعنوان «آثار الرصاص على العالم» كرسالة احتجاج ضد توحش الدول الكبرى سعيًا لمصالحها. أتذكر منه مقولة الشاعر الكرواتى زيلجوا فوندا التى يقول فيها «فى القرية التى قُصفت/ امرأة عجوز تلعنُ/ بقاءها حية». كما أتذكر مقولة الشاعر السويسرى ماركوس سولزبرغ «فى أكياس سوداء/ هواتف نقالة/ ترن بلا انقطاع».
تُعلق الروائية العراقية أنعام كجه جى على الكتاب بذكاء قائلة «إن هذا الشعر لا يقدم خراب الأرض بل أعطاب الروح، ذلك لأن هناك مهندسين، وبناءين يتكفلون باصلاح ما تحطم». وهذه هى غاية الحرب الكبرى «إصلاح ما تم تدميره». فهذا يعنى مكاسب وثروات وكنوزًا تتراكم. كل نقطة دم قربان لإبليس يفتح بها بابًا للثراء، ويمد دربًا للتغطرس والتعالى على البشر.
ما معنى الحضارة إن كانت هناك طفلة إيرانية واحدة خائفة من طائرات ترامب وقذائف نتنياهو المروعة؟ ما قيمة العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى وعلوم الفضاء مقابل حُزن مكلوم على فقيد لم يزر وازرة؟ ما كل فلسفات وكُتب وأفكار ونظريات فوكوياما وهينجتون وتوماس فريدمان أمام صرخة ألم لسبعينى أصابته شظية عابرة؟ ما التقدم والتطور والقرن الواحد والعشرون وسط كل هذ الخراب؟
أكره شباب الإمبراطوريات، تتوسع بالدم، تكبر بالخراب، وتدون أمجادها المزعومة بذبح البشر، وترويعهم وتشريدهم. فى أكتوبر سنة 1492 وصل كريستوفر كولمبوس إلى أرض جديدة عامرة، استرعاه تلك الجموع المبتهجة من الهنود الحمر التى احتشدت لاستقباله. استغرب المكتشف الاستعمارى ترحاب السكان الأصليين المبالغ به، منحوه الطعام والشراب والأمان، واحتفوا به بكرم بالغ. عاد كولمبوس لهم بعد حين ومعه شرار البشر، قتلة متوحشون ذبحوا العشرات والعشرات ثم المئات والمئات وصولًا إلى تصفية 250 ألف إنسان كما يشير الباحث الفرنسى ليفى ستروس.
رسم نابليون اسمه فى التاريخ بقتل الناس شرقًا وغربًا، سجل هتلر خلوده بإبادة الملايين، أرخ ستالين لسيرته بقمع البسطاء. مر بنا دمويون كثر، أكلة بشر، أشرار، أعداء للإنسان فى كل مكان، ومضوا جميعًا إلى حكم عدل لا ينطق لديه ناطق إلا بإذن.
كُنت صغيرًا أتجنب المشاجرات، أنفر من معارك الصبية، أتفلّت من مواقع الصراع، أفر من ضجيج الخناقات لأستمع لأغنية ساحرة أو أقرأ نصًا جميلًا. عشقتنى الكتابة، لأنها تحضر ورد فعل هادئ لين وطيب، يطاول العقل ويلامس القلب، وكلما سألت نفسى عن دافع الكتابة أطل وجه كافكا يذكرنى بعبارته الطيبة «نحن نكتب لننأى بأنفسنا عن معسكر القتلة».
أذهل الآن وأنا أفكر بأنه لا معنى للين أمام التوحش. إننا ننأى عن القتلة لكنهم يلاحقوننا. استقلت بلاد الشرق لكنها ظلت أسيرة لإرادات المستعمرين. أبت الدول الكبرى التخلى عن فكرة السادة والعبيد التى ابتكرتها لتبرير استعمارها. فكلما زرعنا وردة قطفوها، ومتى تفرغنا للبناء والعمران، تجمعوا للهدم والتخريب.
فى غزة المحرقة أبيدت الأرواح، تطاول الظُلم والظالمون، مارس الشر كل جرائمه المعروفة وغير المعروفة، فكفرنا بحسن النوايا وكشفنا عن زيف شعارات التعايش والتقارب، وتهيأنا للحرب، وصار لزامًا علينا أن نعد ما استطعنا من قوة من أجل القادمين من بعدنا.
يدفعنا ما شهدنا وما نشهده أن نثمن وعى القيادة فى مصر بأمنها وأمانها واستقرارها، إذ تبدو فى خضم ما يجرى وكأنها وردة تطفو على الوحل، عُشة عصافير آمنة فوق جذع شجرة احترقت، لحظة سكون وسنة نوم لجريح يتوجع.
وللصدقية فإن هذا يستحق كل تقدير. والله أعلم
[email protected]