تأمّلات فى زمن القوّة العارية
فى لحظاتٍ فاصلة من التاريخ، ينتاب الإنسان إحساسٌ بأنّ العالم الذى ألفه يتصدّع من أساسه، وأنّ ما ظنّه ثابتًا من قواعد الأخلاق والتعايش لم يكن سوى طبقةٍ رقيقة فوق بركانٍ دائم الغليان. هكذا تبدو اللحظة الراهنة فى ظلّ الضربات الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وما تحمله من احتمال الانزلاق إلى حربٍ أوسع قد تزجّ بالمنطقة والعالم فى مواجهةٍ مجهولة المصير.
لسنا أمام أزمةٍ عابرة، بل أمام تحوّلٍ عميق فى روح العصر، حيث تعود القوّة العارية لتفرض منطقها، وتُقاس الشرعية بميزان التفوّق العسكرى، وتُستبدل لغة القانون الدولى بلغة الوقائع المفروضة. وقد عبّر ثوسيديدس عن هذه الحقيقة المرّة منذ القدم بقوله إنّ «القوى يفعل ما يريد، والضعيف يعاني». غير أنّ البشرية، عبر قرونٍ من الفكر والتجربة، سعت إلى تجاوز هذا المنطق، فشيّدت مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان وسيادة القانون، وهى اليوم تقف أمام اختبارٍ عسير.
ويستحضر المشهد الراهن تصور توماس هوبز عن «حالة الطبيعة»، حيث يسود الخوف ويتحوّل العالم إلى ساحة صراع الجميع ضد الجميع. لكنّ الأخطر من استخدام القوّة هو التحوّل الثقافى الذى يصاحبه: صعود خطاب الإقصاء ونزعات التفوق وتبرير العدوان بوصفه ضرورةً تاريخية. هنا يتردّد تحذير حنّة آرنت من ما أسمته “banality of evil” (تفاهة الشر)، حين يغدو العنف ممارسةً نعتاد عليها، ويتآكل الحسّ الإنسانى المشترك بيننا.
يقف الشرق الأوسط، المثقل بذاكرة الحروب، عند مفترقٍ تاريخى جديد. فالتصعيد الراهن لا يهدد دولةً بعينها، بل يفتح الباب أمام صراعٍ متعدد الجبهات قد يعيد تشكيل موازين القوة لعقودٍ مقبلة. ويذكّرنا ذلك ببدايات حرب الخليج عام 1991، غير أنّ الفارق اليوم يكمن فى غياب الإجماع الدولى وتراجع فكرة النظام العالمى، وظهور عالمٍ تتنازع فيه القوى الكبرى بلا قواعد جامعة.
وليست الحروب الحديثة صراعًا على الأرض وحدها، بل على الهوية والمعنى. فعندما يتحول الاختلاف إلى تهديدٍ وجودى، يصبح العنف نتيجةً شبه حتمية. وقد نبّه ابن خلدون إلى هذا المنطق فى حديثه عن العصبية قوةً توحّد الجماعة وتدفعها إلى الغلبة، لكنها تحمل بذور الصراع والانهيار.
وأمام هذه اللحظة الخطرة، يبرز سؤال الضرورة: ماذا ينبغى أن نفعل؟ إنّ استعادة مركزية العقل الأخلاقى فى السياسة الدولية لم تعد خيارًا بل ضرورة، كما رأى كانط فى مشروعه للسلام الدائم القائم على قانونٍ عالمى ينظم العلاقات بين الدول. كما أنّ ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش داخل المجتمعات يظلّ خط الدفاع الأول ضد الانحدار نحو العنف الذى يهدد منطقتنا اليوم.
لكنّ التاريخ يعلّمنا أنّ أشد اللحظات ظلمة قد تحمل بذور التحول. ويبقى السؤال معلّقًا: هل تتعلم الإنسانية قبل أن تدفع الثمن كاملًا، أم تظلّ أسيرة منطق القوة حتى تستهلك ذاتها؟ فى هذا السؤال يتحدّد مصير الإنسان ومستقبل العالم.