أن تُرى أم أن تكون؟
كبسولة فلسفية
يا عزيزي القارئ تحوّل الإنسان من كائنٍ يسعى لأن يكون، إلى آخر لا يهمّه سوى أن يُرى. الكاميرا صارت مرآته، وعدّاد الإعجابات صار ميزان قيمته. نعيش في عصرٍ يُفضّل الصورة على الجوهر، والسطح على العمق، حتى صار البعض يخاف أن يختفي لا لأنهم سيفقدون أنفسهم، بل لأنهم سيتلاشون من شاشات الآخرين. لكن، ماذا يحدث حين يصبح الوجود مرهونًا بنظرة المتابع؟ حين تُقاس الحياة بعدد المشاهدات لا بعدد اللحظات التي نحياها بصدق؟
تبدأ الحكاية من هناك، من لحظةٍ فقد فيها الإنسان صلته بنفسه. صار يعيش في واجهة زجاجية، يلمّعها كل يوم، يخفي خلفها تعبًا ووحشة لا يراها أحد. صار يكتب عن السعادة أكثر مما يشعر بها، ويتحدث عن السلام أكثر مما يعيشه. يا صديقي، يتحوّل هذا التناقض إلى هوّةٍ بين «من نكون» و«من نظهر». الهوّة التي تبتلعنا ببطء، فلا نعرف إن كنا نضحك لأننا سعداء فعلًا، أم لأن العدسة تراقبنا. هذه الازدواجية ليست جديدة على الإنسان، لكنها اليوم أصبحت أكثر قسوة، لأن العالم لم يعد يترك لنا مساحة لنكون وحدنا، يا عزيزي القارئ.
الإنسان الحديث لم يعد يختبئ من الآخرين، بل من نفسه. يخشى أن يصغي لصوته الداخلي لأنه قد يكتشف أنه غريب عنه. نملأ أيامنا بالضجيج كي لا نسمع الصمت الذي يذكّرنا بأننا لم نعد كما كنا. الفلسفة هنا لا تأتي لتدين هذا العالم الرقمي، بل لتسأله: من الذي نعيش له حقًا؟ ومن الذي نريد أن يرانا؟ إن «الظهور» في ذاته ليس خطيئة، لكنه يصبح سجنًا حين يبتلع «الوجود» ذاته. نحن لا نُخلق لنُعرض، بل لنُدرك، لنحيا بوعي، لا لنعيش في بثٍّ مباشر دائم يستهلكنا حتى آخر شعور.
وربما الخطر الأكبر ليس في أننا نرتدي أقنعة، بل في أننا ننسى وجهنا الحقيقي أسفلها. تصبح الحياة مسرحًا كبيرًا، نتقن فيه أداء الأدوار أكثر من عيش الحقيقة. نختار كلماتنا بدقة أمام الآخرين، لكننا نترك أفكارنا الحقيقية تصمت خوفًا من الرفض. وهنا يتسلل القلق في صمتٍ جميل، يذكّرنا بأننا فقدنا أصالتنا. إن الإنسان يا صديقي كائن يبحث عن معنى، لا عن تصفيق. لذلك، فإن العودة إلى الذات ليست انسحابًا من العالم، بل استعادة للجوهر وسط الزيف، استعادة للصوت وسط الصدى.
حين نتجرأ على الصدق، ولو مع أنفسنا فقط، نبدأ رحلة التحرر. أن تكون يعني أن تختار الحقيقة على التجميل، أن تصمت حين يُراد منك أن تتحدث، أن تحتفظ لنفسك بما لا يجب أن يُعرض. أن تكون يعني أن ترى قيمتك في الداخل لا في المرايا. قد يبدو هذا صعبًا في زمنٍ يقدّس الانطباع، لكنه الطريق الوحيد نحو الاتزان. الفيلسوف ليس من ينعزل عن العالم، بل من يشارك فيه دون أن يذوب، من يعرف متى يُطلّ، ومتى يعود إلى ذاته ليحيا بعمق لا بسطح.
يا عزيزي، تبدأ الحكاية فقط عندما يدرك الإنسان أن الظهور لا يعني الوجود، وأن أجمل ما في النور هو لحظة العودة إلى الظل... حيث يكون هو، لا صورته.
بقلم/ محمد جادالله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط