خارج المقصورة
مسرح البورصة
شمّرت إدارة البورصة عن ساعديها، وانطلقت كمن يلاحق عقارب الساعة، تطلق منتجًا تلو الآخر، وترفع لافتات التطوير، وتعد بسوق أكثر عمقًا وسيولة وجاذبية. المشهد فى ظاهره مبشّر، والحركة نشطة، والخطاب ملىء بالطموح.. وكل ذلك «كلام جميل» لا يختلف عليه اثنان.. لكن السؤال الذى يفرض نفسه بهدوء ثقيل.. هل سبق الإطلاق إعدادٌ حقيقى؟ وهل سبقت السرعةَ ثقافةٌ كافية تمهّد الطريق؟
إطلاق الأدوات المالية الحكومية - أذون الخزانة والسندات - خطوة محسوبة نظريًا، وتنفيذها محصور فى خمس شركات سمسرة حاصلة على رخصة السندات. غير أن ما حدث على أرض الواقع لا يعكس حجم الضجة التى سبقت التدشين. خمسة عشر يومًا من التداول، والعمليات المنفذة بالكاد تُعد على أصابع اليد. بداية محزنة، ومتعثرة.
الأكثر إثارة للتساؤل أن التقارير الأسبوعية الصادرة عن البورصة مرت مرورًا عابرًا -أو متجاهلًا- لهذه الأداة. وكأن الأرقام لم تكن بحجم التوقعات، أو لم تكن «تليق» بالاحتفاء السابق بالإطلاق. وهنا يتسلل القلق: هل استعجلت البورصة الخطوة قبل أن تُهيئ المسرح جيدًا لعرضها؟
الحقيقة أن الأدوات الجديدة لا تُزرع فى تربة السوق بين يوم وليلة.. هى تحتاج إلى شرحٍ مُبسط، وترويجٍ ذكى، وتوعيةٍ عميقة، حتى يستوعبها المستثمر العادى قبل المحترف. فآليات التنفيذ المسبق، وطلبات التسعير، والاتفاقات بين جهات الوساطة.. كلها تفاصيل فنية قد تبدو مألوفة للمتخصصين، لكنها غامضة لجمهور أوسع لم تُمنح له فرصة الفهم الكامل بعد.
ما يزيد المخاوف أن يتكرر المشهد ذاته مع آلية المشتقات المالية، التى سبقتها ضجة أكبر من فهمها، وجدال فقهى حول مشروعيتها، وتحفظات من الجمعية المصرية للتمويل الإسلامى. فالخلافات التى تُترك بلا حسم فكرى وتوعوى، تتحول سريعًا إلى عائق نفسى يصدّ المستثمرين قبل أن يجربوا الأداة من الأساس.
فالسوق لا يكافئ السرعة وحدها، بل يكافئ من يبنى الثقة خطوةً بخطوة. وإذا طُبقت الأدوات قبل أن تُفهم، وروّج لها قبل أن تُستوعب، فإن النتيجة لن تكون مجرد ضعف تداول.. بل فقدان ثقة قد يكلف الكثير.
< يا سادة.. ليس المهم أن نُطلق الأدوات سريعًا، بل أن نُطلقها صحيحة.. فالنجاح فى الأسواق لا يُقاس بالسرعة، بل بقدرة السوق على التفاعل، والاستيعاب، والإيمان بما يُطرح أمامه.. الخطر الحقيقى ليس فى الجرأة.. بل فى غياب التمهيد.