بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ليالي الدم.. حوادث هزت رمضان

مقبرة تحت الأرض.. أسرار جثث ضحايا ريا وسكينة خلف طبلية السحور بالمنزل

بوابة الوفد الإلكترونية

في صمت مطبق لا يقطعه سوى صوت المؤذن وصليل الأواني، وبينما كانت الأسر السكندرية تتحلق حول "طبلية السحور" في ليالي رمضان، كان هناك ثقب أسود في قلب حي اللبان يبتلع الأجساد والأنفس. 

لم يكن الدخان المنبعث من "حارة النجا" بخوراً للتبرك، بل كان ستراً لروائح الموت التي فاحت من تحت البلاط، لترسم المشهد الختامي لأبشع عصابة عرفها تاريخ الإجرام المصري؛ "ريا وسكينة".

سقوف الموت وفحيح البخور.. من مشنقة "الحضرة" إلى سراديب "النجا" التي ابتلعت نساء الإسكندرية

انتهت الأسطورة، لكن الرائحة لم تزل تزكم أنوف التاريخ. بين جدران سجن الحضرة، وتحت حبال المشنقة التي التفت – لأول مرة في تاريخ القضاء المصري – حول أعناق نساء، طُويت صفحة "ريا وسكينة". 

ولكن، قبل أن يلفظ "حسب الله" و"عبد العال" والشقيقتان أنفاسهم الأخيرة، كانت هناك تفاصيل مرعبة تُكشف لأول مرة عن "موسم الدم" في حارة النجا وحي اللبان.

فصل النهاية؛ رائحة لا تواريها العطور

بدأت خيوط الكارثة تنكشف من الأحدث فالأقدم، حين استرابت أجهزة الأمن في انبعاث روائح كريهة وتزايد بلاغات الاختفاء المريبة لنساء خرجن لشراء مستلزمات العيد ولم يَعُدن، اليوزباشي إبراهيم حمدي، بحدسه الأمني، قاد قوة من البوليس لمداهمة "منزل الموت" باللبان. 

وهناك، كانت الصدمة التي هزت وجدان مصر؛ فبمجرد رفع البلاط وتكسير الأرضية، ظهرت بقايا جثث متحللة، خصلات شعر لنساء ذُبحن بدم بارد، وملابس مدممة مخبأة في صناديق خشبية.

لقد انتهت أسطورة "سفاحات الإسكندرية" فوق طبلية الإعدام بسجن الحضرة، كأول سيدتين يطبق عليهما الحكم في تاريخ القضاء الحديث، بعد ثبوت قتلهن لأكثر من 17 سيدة، لتُطوى صفحة "حارة النجا" بهدم منازل الموت وتطهيرها من دنس الدماء.

كواليس الصيد؛ فخ "الزنقة" وبخور الدجل

العودة للوراء تكشف عن مكر لا يوصف؛ حيث كانت سكينة تتربص بضحاياها في "سوق الزنقة" و"شارع فرنسا" و"المنشية"، كانت تختار الهدف بدقة؛ سيدة ترتدي مصاغاً ذهبياً لافتاً، وحيدة، وبسيطة. 

بملامح تتصنع التقوى والورع، تدعوهن لزيارة شقيقتها ريا بحجة شراء أنواع نادرة من البخور الرمضاني أو أقمشة هندية رخيصة مخصصة للعيد.

بمجرد دخول الضحية إلى الغرفة المظلمة، تنطبق المصيدة، ينقض عليها الرجال (حسب الله وعبد العال ورفاقهم)، وبأداة القتل الصامتة "المنديل المبلل"، يتم كتم الأنفاس حتى تفارق الضحية الحياة دون إراقة قطرة دم واحدة قد تترك أثراً، وسط ضجيج الشارع الخارجي الذي لم يشعر بشيء.

زلزال في حارة النجا؛ جثث تحت "طبلية السحور"

قبل السقوط بأيام، كانت الفاجعة التي هزت أركان الإسكندرية، انبعاث روائح كريهة من منزل مشبوه دفع قوات الأمن لمداهمته، ومع أول ضربة "فأس" في أرضية الغرفة الرئيسية، تفجرت المفاجأة؛ جثث متحللة مرصوصة فوق بعضها البعض، وشعر نسائي مدمم مخبأ في صناديق خشبية. 

الصدمة الكبرى كانت في اعترافات "ريا"؛ حيث أكدت أن العصابة كانت تتناول وجبات "سحور رمضان" فوق الأرضية التي تضم ضحاياهن، مستخدمين "الجير الحي" لتسريع التحلل وإخفاء معالم الجريمة، بينما كان الناس في الخارج يهللون للشهر الكريم.

الفخ الرمضاني؛ بخور الموت والدجل

كيف بدأت الجريمة الأخيرة؟ في زحام "سوق الزنقة" ووسط بهجة شراء مستلزمات العيد، كانت "سكينة" تتجول كذئب في ثياب حمل، رصدت ضحيتها الشابة، التي كانت تلمع بـ "المصاغ الذهبي"، وبدأت تمارس فنون الغواية والدجل، "تعالي يا خيتي، ريا عندها بخور هندي نادر وروائح طيبة للعيد".. هكذا كان الطُعم.

بمجرد دخول الضحية إلى "بيت الموت" في حارة النجا، انقض الرجال (حسب الله وعبد العال) عليها، في تلك اللحظة، اختلطت رائحة البخور برائحة الموت، وجُردت الضحية من أقراطها وخواتمها وهي تصارع الموت في صمت مرعب، بينما كان الجيران يظنون أن الدخان المتصاعد ما هو إلا طقوس رمضانية عادية.

كواليس التخطيط؛ احترافية "سفاحات الإسكندرية"

أثبتت التحقيقات أن العصابة لم تكن تعمل بعشوائية؛ بل كان رمضان بالنسبة لهم "موسماً" ذهبياً بسبب كثرة الذهب الذي ترتديه النساء في الزيارات، اعتمدت الشقيقتان على أسلوب "التنويم المغناطيسي" النفسي والإغراء بالسلع الرخيصة. 

كانت "ريا" تشرف بنفسها على الحفر والدفن، لضمان عدم خروج أي رائحة تكشف أمرهم، مستغلة انشغال الناس بالعبادة والتراويح لتنفيذ عمليات الدفن السري تحت البلاط.

مقبرة تحت الأقدام؛ الجير الحي وطقوس السحور

المعلومات الأكثر بشاعة التي كشفتها التحقيقات هي "سيكولوجية القتلة"؛ فقد اعترفت ريا بأن العصابة كانت تتناول وجبات السحور والافطار فوق الأرضية التي دفنوا تحتها الضحايا لتوهمهم. 

استخدموا "الجير الحي" لتسريع تحلل الأجساد وإخفاء المعالم، بينما كانت ريا تشرف بنفسها على عمليات الحفر والدفن لضمان إحكام غلق البلاط، مستغلة انشغال الجيران بالعبادة والتراويح.

التقرير الفني والطب الشرعي

أكد الأطباء الشرعيون أن الضحايا تعرضن لضغط شديد على القصبة الهوائية أدى للوفاة خنقاً في وقت قياسي، وبذلت فرق البحث الجنائي جهوداً خارقة لربط المقتنيات المنهوبة (الأقراط والخواتم) التي عُثر عليها مخبأة في صناديق خشبية ببلاغات الأهالي، لتكتمل صورة "القتل التسلسلي" الأبشع في القرن العشرين.

المحطة الأخيرة؛ نصل العدالة ينهي الرعب

بأقدام ثابتة ووجوه لم تعرف الندم، واجهت ريا وسكينة حكم الإعدام شنقاً، بعدما ثبت تورطهما في قتل أكثر من 17 سيدة بدم بارد، "اليوزباشي إبراهيم حمدي" وفريقه لم يكتفوا بالقبض على العصابة، بل فككوا طلاسم أكبر قضية "قتل تسلسلي" في القرن العشرين.

التقرير الطبي الشرعي الصادر حينها أكد أن الموت لم يكن برصاص أو نصل، بل بـ "المنديل المبلل" الذي كتم صرخات الضحايا حتى الموت سحقاً وخنقاً، لتجنب إراقة الدماء التي قد تفضح أمر "مقبرة الغرف".