4 رواد فضاء على وشك تحقيق ما لم يفعله إنسان منذ جيل كامل
6 مارس.. ناسا تُعيد البشرية إلى القمر بعد 50 عامًا من الغياب
ثمة لحظات في تاريخ البشرية لا تمر مرور الكرام، لحظات تستوقفك وتجعلك تُدرك أنك تعيش حدثاً سيُدرس في الكتب بعد عقود. ما تستعد له وكالة ناسا في السادس من مارس 2026 هو واحدة من تلك اللحظات بامتياز؛ إطلاق مهمة Artemis 2، التي ستحمل أربعة رواد فضاء في أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من خمسين عاماً.
من البروفة إلى الإطلاق الحقيقي
قبل أن تُعلن ناسا عن هذا التاريخ، كان لا بد من اجتياز اختبار بالغ الأهمية يُعرف بـ"التجربة اللباسية المبللة" (Wet Dress Rehearsal)، وهو محاكاة شاملة لعملية الإطلاق الحقيقية دون إشعال المحركات فعلياً. الخبر الجيد هو أن التجربة التي أُجريت يوم الخميس جاءت ناجحةً بشكل لافت، بعد أن باءت المحاولة الأولى في مطلع فبراير بالفشل بسبب تسرب في خطوط الهيدروجين.
في هذه التجربة الناجحة، تمكن الفريق من ضخ ما يزيد على 700,000 غالون من الوقود السائل في صاروخ منظومة الإطلاق الفضائي (SLS)، وهو الصاروخ الأقوى الذي بنته ناسا على الإطلاق.
كما نجح الفريق في إتمام مرحلتين من مراحل العد التنازلي الختامي، وهو الجزء الأخير والأشد حساسيةً في إجراءات الإطلاق. وعلى الرغم من وقوع عطل مؤقت في منظومة الاتصالات الأرضية، استطاع الفريق التحول فوراً إلى نظام احتياطي قبل استعادة القنوات الرئيسية، وأعلنت الوكالة أن مهندسيها حددوا بدقة سبب المشكلة وعالجوها.
ناسا تُحدد الموعد رسميا
على منصة المؤتمر الصحفي المنعقد صباح الجمعة، وقفت الدكتورة لوري جلاز، مديرة برنامج "من القمر إلى المريخ" في ناسا، لتُعلن بثقة: "في أعقاب التجربة الناجحة أمس، نُحدد الآن السادس من مارس موعداً أولياً لأقرب محاولة إطلاق".
لكنها لم تتجاهل تعقيدات المرحلة، إذ أشارت إلى أن الطريق إلى الإطلاق لا يزال يمر بمحطات ضرورية؛ من بينها مراجعة شاملة لبيانات التجربة اللباسية، واجتماع مراجعة الاستعداد للطيران، إضافةً إلى أعمال تقنية متبقية على منصة الإطلاق في مركز كينيدي الفضائي بولاية فلوريدا.
4 رواد على أعتاب التاريخ
في اليوم ذاته الذي أُعلن فيه التاريخ، بدأ رواد الفضاء الأربعة المُرتقبون دخول مرحلة الحجر الصحي الاستعدادي، وهو إجراء معتاد قبيل الإطلاقات للحدّ من أي خطر صحي قد يُهدد المهمة. هؤلاء الأربعة على وشك خوض رحلة لم يخضها إنسان منذ بعثات أبولو الشهيرة، آخرها أبولو 17 عام 1972.
مهمة Artemis 2 ستمتد على مدى 10 أيام، وستشهد دوران مركبة أوريون حول القمر في أول مهمة مأهولة لها، لكن الأهم من ذلك أن هذا الطواف سيُمثّل أبعد رحلة في تاريخ البشرية إلى الفضاء، متجاوزاً كل الأرقام والمسافات التي سجّلها الإنسان من قبل، أثناء الرحلة، سيعمل رواد الفضاء على اختبار أنظمة دعم الحياة الحيوية داخل المركبة، في خطوة تمهيدية جوهرية لمهمات الهبوط الفعلية على سطح القمر التي تخطط لها ناسا في مراحل لاحقة.
لماذا هذا الحدث يعني الكثير؟
ما الذي يجعل هذه الرحلة مختلفة عما شاهدناه من إطلاقات فضائية في السنوات الأخيرة؟ الجواب بسيط: لأنها ليست مجرد إرسال أقمار صناعية أو تجارب علمية، بل هي عودة الإنسان إلى الأجواء القمرية بعد انقطاع استمر أكثر من نصف قرن. جيل بأكمله وُلد ونشأ وكبر دون أن يرى رائد فضاء يُحلّق حول القمر. هذا الجيل على موعد مع تجربة لم يعشها أحد منذ أن كان الأجداد شباباً.
برنامج أرتيميس في مجمله يسعى إلى شيء أكبر من مجرد الدوران أو حتى الهبوط على القمر؛ فالهدف الاستراتيجي البعيد هو استخدام القمر منصةً للانطلاق نحو المريخ. ومهمة Artemis 2 هي اللبنة الأولى في هذا الحلم الإنساني الكبير.
ستة من مارس ليس مجرد تاريخ في التقويم، إنه اللحظة التي تُعلن فيها البشرية أنها جاهزة مجدداً للنظر إلى ما هو أبعد من كوكبها والمضي نحوه بخطى ثابتة.