تربية على العبادة أم تحميل فوق الطاقة؟
صوم الأطفال فى رمضان
يستقى الصغار قيمهم الأولى من وجوه الكبار قبل كلماتهم؛ ومع نفحات الشهر الكريم، وتحت وهج الفوانيس الخافتة، يراقب الطفل والده الصائم بعينين تغمرهما الهيبة، ويتأمل والدته وهى تنسج مائدة الإفطار بمحبة وطمأنينة، فيتفتح داخله شغف فطرى لمحاكاة من يحب، ولكن يُقابل هذا الشغف، حرص الأهل على غرس معانى العبادة برفق ودون قسر، وهنا، تتشكل أولى علاقات الطفل بالصيام؛ فمتى يبدأ الصغار خطوتهم الأولى فى هذه الرحلة الروحية؟ وأين يمتد ذلك الخيط الدقيق الفاصل بين تدريب الجسد ومراعاة الفطرة؟
غير واجب
أكد الدكتور عمرو الوردانى، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن صيام الأطفال فى سن عشر سنوات ليس واجبًا شرعًا، طالما لم يبلغ الطفل سن التكليف، موضحًا أن وجوب الصيام مرتبط بالبلوغ، أما قبل ذلك فالأمر يدخل فى إطار التدريب والتعويد على العبادة.
وأشار الوردانى إلى أن صيام الأطفال قبل البلوغ جائز شرعًا، مستشهدًا بحديث الربيع بنت معوذ، التى ذكرت أنهم كانوا يصومون ويُعوِّدون أبناءهم على الصيام، فإذا بكى أحدهم كانوا يلهونه بلعبة من الصوف حتى يحين وقت الإفطار، وهو ما يعكس المنهج النبوى القائم على الرفق والتدرج، وليس الإلزام أو القهر.
وأضاف أن تدريب الأطفال على الصيام مسؤولية تقع على عاتق الوالدين، باعتباره جزءًا من المنظومة التربوية، مؤكدًا أن أجر هذا التدريب يعود على الوالدين، وفى الوقت نفسه ينشأ الطفل على حب العبادة وفهم مقاصدها، وهو ما يعود عليه بالنفع فى مستقبله الدينى والسلوكى.
شروط وجوب الصيام
من جانبه، أوضح الدكتور نظير عياد، مفتى الجمهورية، أن الصيام فريضة أمر الله بها الإنسان، لكنها لا تجب إلا بتوافر مجموعة من الشروط، فى مقدمتها الإسلام والبلوغ والعقل، إضافة إلى الطاقة والقدرة على الصيام.
وأشار المفتى إلى أن الحديث عن القدرة الجسدية أمر مهم، لأن هناك بعض الفئات، ومنهم الأطفال، قد لا تكون لديهم القدرة الصحية على الصيام، وفى هذه الحالة يُرجع الأمر إلى رأى الطبيب المختص، حفاظًا على صحة الطفل وسلامته.
واستشهد المفتى بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «علموا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع سنين»، موضحًا أن الشريعة تدعو إلى تعليم الأبناء العبادات قبل سن التكليف، من خلال التوجيه والترغيب والتشجيع أحيانًا، والتحذير والتنبيه أحيانًا أخرى، حتى يعتاد الطفل على العبادة تدريجيًا.
وأكد أن الخطورة تكمن فى ترك الطفل دون تدريب حتى يصل إلى سن البلوغ، ثم يُطالب فجأة بالصيام الكامل، ما قد يمثل مشقة كبيرة عليه. لذلك، شدد على أهمية التدرج، سواء بالصيام يومًا بعد يوم، أو صيام نصف يوم، بحسب قدرة الطفل واستعداده.
التدرج أساس التربية
وفى السياق نفسه، قال الدكتور محمود شلبى، أمين الفتوى، إن من مميزات الشريعة الإسلامية إنها لا تبحث عن لحظة مفاجئة للتكليف، وإنما تقوم على الإعداد المسبق والتدرج.
وأوضح أن تعويد الأطفال على الصيام يجب أن يتم قبل بلوغهم سن التكليف، تمامًا كما يحدث فى الصلاة، حتى لا تكون العبادة مفاجئة للطفل عند البلوغ. وأضاف أن الفقهاء ذكروا سن السبع سنوات كبداية تقريبية للتدريب، لكن هذا الأمر ليس جامدًا، بل يختلف باختلاف الأطفال وظروفهم الصحية والنفسية.
وأشار شلبى إلى أن بعض الأطفال يمكن تدريبهم على الصيام فى سن خمس أو ست سنوات، بينما قد يحتاج آخرون إلى البدء فى سن أكبر، مؤكدًا أن ولى الأمر هو الأدرى بحال أبنائه. وأوضح أن التدريب يكون تدريجيًا، كأن يصوم الطفل من الفجر حتى الظهر، ثم تُزاد المدة تدريجيًا، مع مراعاة حالته الصحية.
وشدد أمين الفتوى على أن تشجيع الأطفال بالمكافآت له أثر كبير فى تحفيزهم، مؤكدًا أن التعزيز الإيجابى يساعد على ترسيخ حب العبادة فى نفوسهم، ويجعل رمضان تجربة محببة لديهم.
البعد النفسى للطفل
من زاوية نفسية، أوضح الدكتور محمد المهدى، أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر، أن الأطفال بطبيعتهم يميلون إلى تقليد الكبار، خاصة فى أجواء رمضان، حيث يرون الأب والأم والإخوة الأكبر سنًا صائمين، فينشأ لديهم دافع داخلى للمشاركة والشعور بأنهم كبروا وأصبحوا مثلهم.
وأشار إلى أن الطفل فى سن أربع إلى سبع سنوات يكون فى مرحلة الطفولة المبكرة، وغالبًا لا يستطيع الصيام يومًا كاملًا، لكن من المهم منحه الفرصة للصيام بقدر استطاعته، دون إجبار، تحقيقًا لرغبته فى المشاركة وإسعاد والديه.
وأوضح أن إظهار الفرح بسلوك الطفل الصائم، وتشجيعه بالكلام الطيب والاحتضان والثناء أمام أفراد الأسرة، يُعد نوعًا من التعزيز الإيجابى الذى ينعكس على الصحة النفسية للطفل، ويغرس داخله حب العبادة.
وأضاف أن الصيام فى هذه المرحلة يساعد على غرس قيمة المراقبة الذاتية، حيث يتعلم الطفل أن الله يراه حتى لو لم يره أحد من البشر، ما يرسخ لديه الفارق بين الحلال والحرام، والمسموح والممنوع. وأكد أن الطفل غير مكلّف شرعًا، وأن الله يقبل منه ما استطاع عليه، وهو ما يعزز لديه صورة رحيمة ومتوازنة عن الدين.
وأشار إلى أن تشجيع الطفل على الصيام الكامل يمكن أن يبدأ بعد سن العاشرة، إذا كان قادرًا على ذلك، لما للصيام من دور فى تهذيب النفس والارتقاء بها، وتنمية الضمير الدينى والرقابة الداخلية.
فى الختام، نجد أن العلماء والفقهاء وأساتذة الطب النفسى يتفقون على أن صيام الأطفال فى رمضان ليس فرضًا شرعيًا، وإنما وسيلة تربوية تقوم على الرفق والتدرج ومراعاة الفروق الفردية، وأن الغاية الأساسية ليست عدد الساعات التى يصومها الطفل، بل تنشئته على حب العبادة، وبناء علاقة إيجابية بينه وبين الدين، حتى إذا بلغ سن التكليف، دخل رمضان وهو مستعد نفسيًا وجسديًا، لا خائفًا ولا مثقلًا بالمشقة.