صيحة الله أكبر زلزلت حصون خط بارليف تحت أقدام العدو
فى تاريخ الأمم لحظات فارقة، لا تقاس بالساعات والدقائق، بل بمقدار ما أحدثته من تغيير فى مجرى التاريخ وروح الشعوب، هذا ما أرخه المؤرخون عن الحروب الكبرى فى تاريخ الشعوب ، ومن بين تلك اللحظات الشامخة، تبرز ذكرى العاشر من رمضان 1393 للهجرة، الموافق للسادس من أكتوبر 1973 للميلاد. إنها الذكرى التى لم تكن مجرد انتصار عسكرى فحسب، بل كانت انبعاثا جديدا للذات العربية، ومزيجا عبقريا بين قوة الإيمان ودقة التخطيط، لترسم لوحة من العزة على ضفاف قناة السويس وفى قلب صحراء سيناء.
ولطالما ارتبط شهر رمضان فى الوجدان الإسلامى بالفتوحات والانتصارات الكبرى، من بدر إلى فتح مكة. لكن العاشر من رمضان فى العصر الحديث حمل نكهة خاصة، فقد جاء بعد سنوات عجاف من «النكسة» ومرارة الهزيمة. كان الجندى المصرى الصائم يحمل فى جعبته سلاحين: سلاحه النارى الذى تدرب عليه لسنوات فى حرب الاستنزاف، وسلاحه الروحى المستمد من جوع الصيام وعطشه تقربا إلى الله.
لقد رفض الكثير من الجنود والضباط رخصة الإفطار التى أباحها العلماء للمجاهدين، متمسكين بأن يلقوا الله وهم صائمون، أو أن يذوقوا طعم النصر وهم ساجدون. كانت صيحة «الله أكبر» التى زلزلت حصون خط بارليف أقوى من دوى المدافع، لأنها خرجت من حناجر صائمة، مؤمنة بأن الحق لا يسترد إلا بالقوة، وأن الله ناصر من نصره.
التخطيط العبقرى
لم يكن نصر العاشر من رمضان وليد الصدفة أو ضربة حظ، بل كان نتاجا لعقول عسكرية فذة آمنت بالعلم كما آمنت بالوطن. كان اختيار موعد العاشر من رمضان (السادس من أكتوبر) بحد ذاته عبقرية عسكرية؛ فهو يوم عيد «الغفران» لدى العدو، وهو يوم يسكن فيه الكيان الصهيونى تماما، بينما كانت الحسابات الفلكية لحركة المد والجزر فى قناة السويس تشير إلى أن هذا هو الوقت المثالى للعبور.
استخدمت القيادة المصرية خداعاً استراتيجياً أذهل العالم، حيث أوهمت العدو بأن الجيش فى حالة استرخاء رمضاني، بل وانتشرت أخبار عن فتح باب العمرة للضباط والجنود. وفى تمام الساعة الثانية ظهراً، انطلقت مائتا طائرة مصرية لتعبر القناة فى سيمفونية واحدة، تلتها قذائف ألفى مدفع دكت حصون العدو، ليبدأ زحف «خير أجناد الأرض» فوق مياه القناة.
قصة الساتر الترابى
من أكثر القصص التى تروى بفخر فى ذكرى العاشر من رمضان هى قصة «الساتر الترابي» أو خط بارليف، الذى قيل عنه إنه لا يقهر إلا بقنبلة ذرية. هنا تجلت العبقرية المصرية فى أبسط صورها وأعمقها أثراً، حيث استخدمت مضخات المياه القوية لتجريف الرمال وفتح ثغرات للعبور.
كان المشهد مهيباً: جنود يعبرون القوارب المطاطية وهم يرددون الأناشيد الدينية والوطنية، ومهندسون عسكريون يبنون الجسور تحت وابل من النيران، ودبابات تعبر لتطأ رمال سيناء لأول مرة منذ سنوات. فى تلك اللحظات، اختفت الفوارق بين الضابط والجندي، وبين المسلم والمسيحي، وانصهر الجميع فى سبيكة واحدة اسمها مصر.
تلاحم الشعب والجيش
لا يمكن الحديث عن نصر العاشر من رمضان دون ذكر الشعب المصرى العظيم. ففى ذلك الشهر الكريم، اختفت الجرائم الجنائية تقريباً، وتلاشت الخلافات، وتوحدت الأمة خلف جيشها. كانت البيوت المصرية تعيش حالة من التقشف والرضا، والأمهات يودعن أبناءهن بالدعاء والزغاريد، والعمال فى المصانع يواصلون الليل بالنهار لتوفير احتياجات المعركة.
لقد أثبتت هذه الذكرى أن الأمن القومى ليس مجرد حدود جغرافية محروسة، بل هو «تماسك داخلي» وصلابة شعبية لا تلين. كان الراديو هو الرابط الوحيد، وصوت البيانات العسكرية المتلاحقة هو الغذاء الروحى الذى يفطر عليه الصائمون قبل التمر والماء.
إن الاحتفال بذكرى العاشر من رمضان ليس مجرد استحضار لبطولات الماضي، بل هو «استراتيجية للمستقبل». الدروس التى تركتها لنا تلك الحرب تتلخص فى الآتي:
• قيمة العلم والبحث: لولا التخطيط العلمى الدقيق وتطوير الأسلحة لما حدث العبور.
• الإرادة الوطنية: أن الشعوب التى تمتلك إرادة التغيير لا يمكن أن تقهر مهما كانت قوة العدو.
• التضامن العربي: كان الموقف العربى الموحد، خاصة فى استخدام سلاح البترول، مكملاً لنصر الميدان.
وستظل ذكرى العاشر من رمضان تاجاً على رأس التاريخ المصرى والعربي. إنها اللحظة التى استردت فيها الشخصية العربية كرامتها، وبرهنت للعالم أن «الجندى المصري» هو أصلب مقاتل فى التاريخ الحديث حين يمتلك العقيدة والهدف.
وفى كل عام، حين يهل علينا هلال رمضان، نسترجع تلك الرائحة؛ رائحة البارود الممتزجة برائحة الصيام، وصوت التكبير الذى شق سكون الصحراء. إننا فى هذه الذكرى نجدد العهد على حماية كل حبة رمل من أرض سيناء المقدسة، ونستلهم من أبطال العبور روح التحدى لمواجهة معاركنا المعاصرة فى البناء والتنمية.
رحم الله شهداء العاشر من رمضان، الذين رووا بدمائهم الطاهرة شجرة الحرية، لتبقى مصر عزيزة أبية، ولتبقى ذكراهم نبراساً يضيء لنا دروب العزة والكرامة.