الولاء والانتماء الحزبى
لم يكن الانتماء الحزبى فى التجارب السياسية الرصينة مجرد إجراء تنظيمى أو لافتة ترفع عند الحاجة بل كان فعلاً واعياً يعكس قناعة فكرية والتزاماً أخلاقياً واستعداداً لتحمل تكلفة الدفاع عن المبادئ حتى فى أوقات الخسارة السياسية غير أن المتابع للمشهد السياسى فى السنوات الأخيرة يلحظ تصاعد ظاهرة مقلقة تتمثل فى تراجع مفهوم الولاء الحزبى وتحول الانتماء من رابطة فكرية ومؤسسية إلى علاقة نفعية تحكمها الحسابات الظرفية ويأتى هذا الطرح فى إطار قراءة تحليلية عامة للممارسة الحزبية دون توجيه اتهام أو انتقاص من أى كيان إيماناً بأهمية تطوير العمل السياسى فى إطار الدولة الوطنية وتعزيز دور الأحزاب كأحد أعمدة الاستقرار المجتمعى والدستورى هذا التحول لم يعد حكراً على اتجاه سياسى بعينه بل أصبح ظاهرة عالمية وإن اختلفت حدتها من دولة إلى أخرى وفى الحالة المصرية تكتسب هذه الظاهرة أبعاداً أكثر تعقيداً نظراً لطبيعة التطور التاريخى للحياة الحزبية وتقلبات الثقة بين المواطن والتنظيمات السياسية.
الولاء والانتماء الحزبى •• المعنى قبل الممارسة
الولاء الحزبى لا يعنى التقديس أو العصبية التنظيمية كما لا يعنى الجمود الفكرى أو رفض النقد بل هو التزام واعٍ بمبادئ الحزب وبرنامجه باعتبارهما جزءاً من مشروع وطنى أوسع أما الانتماء الحزبى الحقيقى فيقوم على الآتى:
١- الإيمان بالفكرة لا بالشخص.
٢- احترام البرنامج لا استغلال الاسم.
٣- الالتزام بالقواعد المؤسسية.
٤- تقديم المصلحة العامة على الطموح الفردى.
وقد تأسست الأحزاب فى جوهرها لتكون مدارس سياسية تنتج الوعى وتعد القيادات وتخلق كوادر قادرة على العمل العام لا مجرد أدوات انتخابية.
الترحال الحزبى •• حين تفقد السياسة بعدها الأخلاقى
من أخطر الظواهر التى شهدتها الحياة السياسية المعاصرة تصاعد ما يمكن تسميته بالترحال الحزبى حيث ينتقل بعض الأفراد بين الأحزاب الغير متوافقه فكرياً دون مبرر أيديولوجى حقيقى وغالباً ما يتم ذلك بدوافع تتعلق بالآتى:
١- البحث عن موقع انتخابى أسهل
٢- الاقتراب من مراكز النفوذ
٣- استغلال فرصه سياسية عابرة
هذا السلوك لا يضر الحزب وحده بل يضعف ثقة المجتمع فى العمل السياسى ككل ويسهم فى ترسيخ صورة سلبية عن الأحزاب بوصفها كيانات بلا ثوابت وهو ما ينعكس مباشرة على نسب المشاركة السياسية.
مسئولية الأحزاب فى بناء الولاء المؤسسى.
لا يمكن تحميل الأفراد وحدهم مسئولية ضعف الولاء، فالأحزاب ذاتها تتحمل جانباً رئيسياً من الأزمة فالحزب الذى يفتقر إلى الآتى:
١- وضوح فكرى وأيديولوجى.
٢- برنامج سياسى قابل للتطبيق.
٣- آليات ديمقراطية داخلية.
٤- نظم عادلة للترقى والمحاسبة.
يصبح بيئة طاردة للانتماء الحقيقى وجاذبة للانتهازية السياسية إن الولاء المؤسسى لا يفرض بقرارات تنظيمية بل يبنى عبر التثقيف والمشاركة والشعور بالعدالة داخل التنظيم وربط العضو برسالة الحزب لا بأشخاص بعينها.
التجارب العالمية •• حين يكون الانتماء قاعدة لا استثناء
فى الديمقراطيات العريقة لا ينظر إلى الانتماء الحزبى باعتباره خياراً مؤقتاً ففى بريطانيا يمثل الاختلاف بين حزب المحافظين وحزب العمال اختلافاً جوهرياً فى الرؤية الاقتصادية والاجتماعية ودور الدولة ما يجعل الانتقال بينهما نادراً ومكلفاً سياسياً.
وفى الولايات المتحدة يرتبط الانتماء إلى الحزب الديمقراطى أو الحزب الجمهورى بهوية فكرية واضحة تشمل قضايا الاقتصاد والحريات والسياسة الخارجية الأمر الذى يجعل التخلى عن الحزب دون تحول فكرى حقيقى موضع تشكيك مجتمعى وإعلامى واسع.
الواقع السياسى المصرى •• تحديات خاصة وإطار مختلف
فى مصر يواجه العمل الحزبى تحديات تاريخية وتكوينية من بينها الآتى:
١- حداثة بعض الكيانات الحزبية.
٢- ضعف التكوين الأيديولوجى.
٣- سيطرة الطابع الفردى على المؤسسى.
٤- استخدام الحزب كوسيلة انتخابية لا كمدرسة سياسية.
وقد أدى ذلك إلى شيوع الانتقال الحزبى دون ضوابط واضحة ما أضعف صورة الحزب ككيان مستقر وأثر سلباً على فكرة الانتماء طويل الأمد.
نماذج مصرية راسخة فى دعم الولاء والانتماء الوطنى.
حزب الوفد •• الوطنية أساس للولاء
يمثل حزب الوفد نموذجاً تاريخياً للانتماء الحزبى القائم على الوطنية والدستور والدفاع عن الدولة المدنية فقد ارتبط الولاء داخل الحزب عبر عقود طويلة بمبادئ الاستقلال الوطنى والحياة النيابية والدفاع عن حقوق المواطنين ورغم ما مر به الحزب من تحديات وتحولات ظل الانتماء إليه لدى قطاع كبير من أعضائه تعبيراً عن قناعة تاريخية وفكرية لا مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب سريعه.
حزب التجمع •• الثبات الفكرى والانحياز للعدالة الاجتماعية
أما حزب التجمع فقد شكل نموذجاً للولاء الحزبى القائم على الالتزام الفكرى والانحياز الواضح لقضايا العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات الأكثر احتياجاً وقد تميزت كوادره تاريخياً بدرجة عالية من الثبات على المواقف حتى فى أصعب اللحظات السياسية.
القدوة الحزبية فى التجربة المصرية •• من التاريخ إلى بناء وعى الشباب
تمثل القدوة الحزبية أحد الأعمدة الأساسية لترسيخ الولاء والانتماء داخل الحياة السياسية المصرية حيث لم يكن الانتماء فى مراحله التاريخية الأكثر رسوخاً قائماً على الشعارات أو المكاسب بل على نماذج قيادية جسدت القيم الوطنية فى السلوك والممارسة والتزمت بالعمل الحزبى باعتباره خدمة عامة لا أداة لتحقيق مصالح شخصية وقد عرفت التجربة الحزبية المصرية عبر تاريخها قيادات صنعت حضورها لا عبر المواقع بل عبر الالتزام التنظيمى واحترام التعدد والثبات على المواقف الوطنية وهو ما أسهم فى بناء أجيال من الكوادر التى ربطت الانتماء الحزبى بالانتماء للوطن وجعلت من الحزب مدرسة سياسية وتربوية فى آن واحد وفى الواقع الراهن يبرز غياب نموذج القدوة كأحد التحديات التى تواجه العمل الحزبى خاصة لدى الشباب حيث تتشكل القناعات السياسية الجديدة فى ظل بيئة رقمية سريعة التأثير تبحث عن المثال العملى أكثر من الخطاب النظرى ومن هنا فإن إعادة الاعتبار لفكرة القدوة داخل الأحزاب المصرية لم تعد مسألة أخلاقية فحسب بل ضرورة تربوية وسياسية تسهم فى بناء وعى شبابى مستقر يحصن الأجيال الجديدة من الانجراف وراء الانتهازية أو العزوف عن المشاركة ويتحقق هذا الدور حين تلتزم القيادات الحزبية بسلوك مؤسسى واضح يحترم التدرج التنظيمى ويقدم الكفاءة على الولاءات الشخصية ويجعل من الحوار والتدريب والتأهيل أدوات دائمة للتواصل مع الشباب فالشاب لا يكتسب الولاء من اللوائح بل من النموذج الذى يراه أمامه ومن شعوره بأن الحزب يمنحه مساحة للتعلم والمشاركة والتأثير إن القدوة الحزبية فى السياق المصرى ليست ترفاً تنظيمياً بل مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة وتعزيز الانتماء وترسيخ ثقافة سياسية تعتبر أن الولاء للحزب هو فى جوهره ولاء للوطن والتزام بمستقبله ومسئولية تجاه أجياله القادمة.
المصلحة الشخصية وأثرها على مصداقية العمل الحزبى
أخطر ما يواجه الحياة الحزبية اليوم هو تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، فحين يتحول الحزب إلى وسيلة لتحقيق النفوذ يفقد دوره كفاعل مجتمعى ويتحول إلى كيان هش سريع الانقسام محدود التأثير السياسة فى جوهرها مسئولية وطنية قبل أن تكون منافسة على السلطة.
توصيات لتعزيز ثبات الولاء والانتماء الحزبى.
١- تعزيز التثقيف السياسى والفكرى داخل الأحزاب.
٢- إرساء ديمقراطية داخلية حقيقية.
٣- وضع معايير أخلاقية واضحة للانتماء والاستمرار.
٤- ربط التدرج الحزبى بالالتزام لا بالمصالح.
٥- تعميق ارتباط الأحزاب بقضايا المجتمع.
الثبات على المبادئ •• جوهر المصداقية السياسية
إن أزمة الولاء والانتماء الحزبى التى تشهدها الحياة السياسية المعاصرة لا يمكن اختزالها فى ضعف النصوص التنظيمية أو تقلب الظروف السياسية وحدها بل ترتبط فى جوهرها بغياب النموذج والقدوة القادرة على تحويل المبادئ إلى ممارسة والانتماء إلى سلوك يومى يحتذى خاصة لدى الأجيال الشابة فالعمل الحزبى لا يترسخ بالشعارات ولا يستدام بالخطاب وحده وإنما يبنى عبر قدوة حزبية واعية تجسد احترام الوطن والالتزام المؤسسى وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الشخصية وحين يرى الشباب فى قياداتهم نموذجاً للانضباط والنزاهة والثبات يتحول الانتماء من مجرد عضوية تنظيمية إلى قناعة راسخة ومسئولية وطنية وفى السياق المصرى تزداد أهمية هذا البعد حيث تتقاطع الحاجة إلى تجديد الخطاب السياسى مع ضرورة بناء وعى شبابى قادر على التمييز بين العمل العام كخدمة وطنية وبين توظيف السياسة لتحقيق مصالح ضيقة ومن هنا يصبح الاستثمار فى القدوة والتأهيل والتربية السياسية داخل الأحزاب ركيزة أساسية لإعادة بناء الثقة وتعزيز الاستقرار وضمان استمرارية الكيانات الحزبية بوصفها أحد أعمدة الدولة الوطنية إن استعادة قيمة الولاء الحزبى الحقيقى تبدأ من الإنسان قبل التنظيم ومن السلوك قبل اللوائح ومن القدوة قبل النصوص فالأحزاب التى تنجح فى تقديم نموذج يحتذى هى الأقدر على صناعة الانتماء وحماية المستقبل السياسى والإسهام بفاعلية فى خدمة الوطن وأجياله القادمة.
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية