نبض الكلمات
شهر الرحمة بين زمنين
كان رمضان زمان ضيفًا خفيفًا على البيوت، ثقيلًا في الميزان، عظيمًا في الروح ،كانت الفوانيس تُضاء ببركة الرضا، لا بفاتورة الكهرباء، كانت المائدة بسيطة، لكن القلوب ممتلئة ،كان الجار يطرق الباب بطبق صغير، فيدخل معه ألف معنى من المودة ، لم تكن الشوارع تتزين فقط بالمصابيح، بل كانت الأرواح هي التي تتلألأ..أما اليوم، فرمضان يأتي مثقلًا بقوائم الأسعار، يسبقه القلق وتتبعه الشكوى. أصبح السؤال الأول: “هنجيب منين؟” قبل أن يكون: “هنقرب إزاي؟”
تبدّلت الأولويات، وتراجعت الروحانيات أمام ضغوط الحياة ،لم يعد التنافس في ختم القرآن، بل في تنسيق المائدة. لم تعد العزائم صلة رحم، بل عبئًا اقتصاديًا يخشاه الكثيرون.
الأزمات الاقتصادية لم تضرب الجيوب فقط، بل ضربت العلاقات. حين يضيق الرزق، يضيق الصدر. وحين تتراكم الفواتير، تتآكل المجاملات. جلسات السحور التي كانت عامرة بالضحك والدعاء، صارت مقتصرة على الدائرة الأضيق، أحيانًا خوفًا من الكلفة، وأحيانًا هروبًا من الحرج...زمان، كان الفقير يجد في رمضان جبرًا لخاطره، واليوم يخشى قدومه لأنه موسم مضاعفة المصروفات. كانت الزكاة تُعطى سرًا فتُحيي بيوتًا، واليوم تُوثَّق بالصور فتُميت المعنى. بين زمنين، ضاع شيء أثمن من المال،ضاعت الطمأنينة..لكن الحقيقة المُرّة أن الأزمة ليست اقتصادية فقط، بل اجتماعية ونفسية، المادّة تسللت إلى القلوب كما تسللت إلى الأسواق ،صرنا نقيس قيمة الشهر بعدد العزائم لا بعدد الركعات،صرنا نعدّ أصناف الطعام أكثر مما نعدّ لحظات الصفاء.
ورغم ذلك يبقى رمضان أقوى من كل الأزمات. لأنه ليس موسم استهلاك، بل موسم مراجعة. ليس شهر امتلاء الموائد، بل امتلاء الضمائر. الفجوة الروحية التي صنعتها الضغوط يمكن ردمها بإرادة صادقة ،فالقلوب لا تحتاج ميزانية لتعود إلى الله، ولا تحتاج بطاقة ائتمان لتتصالح مع بعضها.
ربما كان رمضان زمان أبسط..لكنه لم يكن أسهل، كان الناس يملكون القليل ويشعرون بالكثير. واليوم نملك الكثير ونشعر بالقليل. الفارق ليس في الزمن، بل في البوصلة.
فلنستعد رمضان كما كان: دفئًا لا مظاهر، قربًا لا كلفة، عبادة لا عادة ، فإذا صلح القلب، صلحت المائدة وإذا عادت الروح، عاد رمضان كما نعرفه.
تغيّرنا حين أصبحنا نخاف من قلة المال أكثر مما نخاف من قسوة القلب ،تغيرنا حين صرنا نحسب تكلفة العزومة، ولا نحسب ثواب صلة الرحم ،تغيّرنا حين تحوّل رمضان من موسم عبادة إلى موسم استهلاك ، وزمان، كان البيت يُفتح بلا حساب، واليوم يُغلق بحسابات دقيقة زمان، كانت “العِشرة” هي رأس المال، واليوم رأس المال هو كل شيء ، تغيّرنا حين دخلت المقارنات بيوتنا عبر الشاشات ،صار كل بيت يرى موائد غيره، فيشعر بالنقص بدل الرضا.
لم نعد نُفطر لنشكر، بل لننافس ،ولم نعد نتصدق لوجه الله فقط، بل لوجه الكاميرا أحيانًا ،تغيّرنا حين ضاقت صدورنا تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية،فانعكس الضيق على علاقاتنا ،الرجل مثقل، والمرأة مرهقة، والشباب حائر، فكيف لقلوب مثقلة أن تحلّق في سماء الروح كما كانت؟ تغيّرنا حين أصبح السحور وجبة سريعة أمام شاشة،
بعد أن كان جلسة دعاء وونس ،حين استبدلنا دفء “اللمة” ببرودة الهاتف ،حين صارت الرسائل المختصرة تغني عن الزيارات،وصار الاعتذار بالانشغال أسهل من الاعتذار بالاعتراف بالتقصير.لكن أخطر ما تغيّر أننا اعتدنا ذلك ،صرنا نبرر الجفاء بضيق الحال،
ونبرر القسوة بتعب الأيام،ونبرر البعد بانشغال الدنيا ،الحقيقة أن الأزمات كشفت ما بداخلنا، لا ما حولنا فقط ،فمن كان قلبه عامرًا، ظل عامرًا ولو قلّ ماله ،ومن كان عطاؤه لله، لم ينتظر موسمًا ولا مناسبة ،تغيّرنا..نعم.
لكننا لم نفقد القدرة على الرجوع ،رمضان ما زال يطرق الأبواب كل عام ليقول: ليس المطلوب أن تكون مائدتك أغنى…بل أن يكون قلبك أنقى ،لم تسرقنا الظروف بالكامل نحن فقط سمحنا لها أن تغيّر أولوياتنا.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام إتحاد المرأة الوفديه