بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

مفاوضات جنيف: حين تصطدم إملاءات واشنطن بسيناريو طهران لليوم التالي

مفاوضات جنيف الثالثة انتهت بـ"تقدم ملموس" حسب عُمان والإيرانيين بينما ويتكوف وكوشنر محبطان مما قدمه الإيرانيون خلال المفاوضات 

التي سوف  تستأنف سياسياً الأسبوع المقبل بعد تمهيد تقني يوم  الاثنين  في فيينا 

 و إسرائيل تترجم غضبها من تقدم التفاوض بغارات عنيفة وكثيفة على  لبنان .

فما الذي حدث امس في جنيف ؟

الجولة الاولي 

انتهت المحادثات  بين مبعوث امريكا  ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعد 15 دقيقة فقط، في مشهد  جسد حجم الخلافات 

عاد الوفدان إلى غرف منفصلة في دار ضيافة نادي النفط بوسط المدينة للتشاور،

وأُجّلت الجلسة التالية بطلب إيراني لما بعد صلاة الظهر. 

مما يعكس رفض  إيران منطق الإملاءات:

التي سربت اعلاميا وهي 

تدمير المواقع النووية الثلاثة: فوردو، نطنز، أصفهان.

تسليم كل اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة.

صفقة دائمة بلا بنود انتهاء.

عدم تخصيب اليورانيوم، مع إمكانية الاحتفاظ بمفاعل طهران للبحوث الطبية.

تخفيف عقوبات محدود أولًا، ثم أكبر مع الامتثال الكامل. 

بعض هذه الشروط يؤكد أن المسافة بين الطرفين ما زالت تعبّر عن خلاف وتصادم بين رؤيتين للسيادة.

على أي حال، عاد الفريقان إلى التفاوض في جولة مكثفة لما يقارب 3 ساعات، بحضور وزير خارجية عُمان والمدير العام لوكالة الطاقة الذرية،

وعقد اجتماع آخر مساء امس نتج عنها بعد التقدم . وتم الاتفاق علي موعد الجولة القادمة بعد اسبوع .

"يبدو أن الأمريكيين أدركوا، من إصرار طهران على رفض تقديم تنازلات مؤلمة، أنها تمتلك سيناريو كاملًا لليوم التالي لفشل المفاوضات، سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا،

خاصة أن العمق الأمني الأمريكي بدأ في الانكشاف.

وذلك بإقالة نائب الأدميرال فريد كاتشر من منصبه كمدير لهيئة الأركان المشتركة بعد أشهر قليلة فقط من تعيينه.

هذه الإقالة، قبل ساعات من مفاوضات جنيف، تعكس حجم التوتر والارتباك داخل البيت الأبيض،

فترامب، الذي نصّب كاتشر واختاره بعناية في ديسمبر الماضي، أقاله اليوم لأنه يرفض الحرب على إيران في ظل عدم جاهزية القوات الأمريكية.

وسائل الإعلام والتقارير الاستراتيجية وصفت السيناريو العسكري بأنه مستنقع استراتيجي يغوص فيه الجيش الأمريكي،

وهذا الفخ مبني على معطيات واضحة:

وفي هذا الصدد

أكدت أربع وسائل إعلام أمريكية على الأقل، هي سي بي إس، وأكسيوس، وول ستريت جورنال، ونيويورك تايمز، أن الجنرال دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة

 

 "حذر  من مخاطر توجيه ضربة لإيران وقال إن نقص الذخيرة الحيوية وعدم وجود دعم من الحلفاء سيخلق تهديدات كبيرة للعملية

و أن المخزون العسكري الأمريكي استُنزف بفعل:

دعم إسرائيل في حرب الاثني عشر يومًا و

الدعم العسكري المستمر لأوكرانيا في الحرب ضد روسيا

وكذلك تداعيات عملية خطف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو

بما يعني أن القدرة على خوض حرب جديدة لم تعد مسألة قرار سياسي، بل مشكلة بنيوية في الجاهزية العسكرية نفسها.

وهو ما يفسر التفكك النفسي داخل البنية القتالية، الذي ظهر رمزيًا في أزمة الصرف الصحي على متن حاملة الطائرات جيرالد فورد،

حيث أفادت تسريبات بتعمّد البحّارة سدّ أنظمة الصرف الصحي بالقمصان

ثم التوقف في طابور يصل إلى 45 دقيقة لدخول المرحاض،

للهروب النفسي من خوض حرب مع إيران.

وإذا صدق هذا التقرير، فإن هذه الأزمة المصنوعة تمثل سلوكًا  يحمل رسالة سياسية صادمة للبيت الأبيض مفادها:

“لسنا مستعدين للموت من أجل حرب لا نؤمن بها، ولا نراها حربًا أمريكية، بل حربًا لخدمة إسرائيل.

 

ولخّص المستشار السابق لترامب جون بولتون مشهد استعراض القوة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط بقوله:

“ترامب يأمل أن يُرهب استعراض القوة آيات الله… هذا لا يجدي نفعًا. لن يُرهبهم أحد. ترامب غبي استراتيجيًا.”

وهي عبارة، رغم حدّتها، تختصر فشل منطق الردع الاستعراضي أمام خصم غير قابل للترهيب النفسي،

بل لا يخشى الحرب، ومستعد لها بالتعاون مع الحليف الصيني

 

وهو ما ظهر في تعمّد الصين السخرية من ترامب بنشرها، قبل ساعات من محادثات جنيف،

صورًا فضائية مُعلّقة لكل طائرة من طراز إف-22 المتواجدة في قاعدة عوفدا الجوية الإسرائيلية،

ووضع علامة على كل طائرة على حدة بالأحرف الصينية على موقع ويبو للتواصل الاجتماعي في الصين.

إحدى عشرة طائرة مقاتلة شبحية،

كلّفت أمريكا 67 مليار دولار لتطويرها لغرض وحيد هو التخفي،

مُفهرسة ومُوزّعة على وسائل التواصل الاجتماعي كما لو كانت قائمة طعام.

وهي الطائرات التي يُفترض أنها ستُدمّر الدفاعات الجوية الإيرانية.

هذا يعني أن الجيش الأمريكي لم يعد يتحرك داخل “ضباب الحرب  بل داخل مسرح مراقبة عالمي مفتوح. بشكل يدعو للسخرية بما يؤشر الي ان 

أي مواجهة مع إيران لن تكون حرب سيطرة… بل حرب استنزاف  لهيبة  أمريكا قبل أن تكون استنزافًا للقوة..

واليوم أيضًا، مع بدء محادثات جنيف، فجّرت صحيفة بوليتيكو القنبلة المدفونة في البيت الأبيض،

بأن كبار مستشاري ترامب يُفضّلون أن تضرب إسرائيل إيران أولًا،

ثم تلحق بها أمريكا لاحقًا، حتى تجد مبررًا سياسيًا لقصف إيران.

خبر يعكس حجم الخلاف والرعب من تداعيات الحرب على إيران،

خاصة بعد خروج الخلاف من فريق ترامب داخل البيت الأبيض إلى الحزب الجمهوري. حزب ترامب 

فتوابع لقاء الإعلامي تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي في إسرائيل، وحديث “إسرائيل الكبرى”،

فجّرت انقسامًا بنيويًا داخل الحزب الجمهوري.

تاكر نفسه ينتمي للحزب الجمهوري،

وتعمّد أن يأتي اللقاء بنتائج عكسية في الشارع الأمريكي،

حتى لا يغرق الجيش الأمريكي في مستنقع دماء في إيران.

سلوك تاكر كارلسون كشف عن تصدّع قاعدة ترامب

و تمرّد جيل “أمريكا أولًا  على أجندة أيباك 

 

وخلال اجتماع تنفيذي للحزب الجمهوري أمس،

ألقى جيمس فيشباك، المرشح الجمهوري في انتخابات ولاية فلوريدا، خطابًا أعلن فيه أنه في حال فوزه سيقوم بـ:

وقف تمويل فلوريدا لإسرائيل (400 مليون دولار)

ورفض أي دعم من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في حملته الانتخابية

القاعة كانت ممتلئة بالجمهور،

الغضب كان حقيقيًا،

والرفض لم يكن سياسيًا فقط، بل له دوافع وطنية.

فجيل “أمريكا أولًا” لم يعد يعارض إسرائيل سياسيًا فقط،

بل يرفض الرواية، ويرفض الوصاية،

ويرفض أن تكون أمريكا أداة في حروب الآخرين. 

أمريكا اليوم لا تعجز عن قصف  إيران 

بل تعجز عن تحمّل كلفة ما بعد الضربة سياسيًا، عسكريًا، داخليًا، ودوليًا. 

وفي المقابل، إيران لا تفاوض من موقع خوف،

بل من موقع الاستعداد لليوم التالي اليوم الذي ستغلق فيه مضيق هرمز وتحترق فيه كل أوراق ترامب 

تماما كما احترق جوليان المرتد 

في عام 363م،  ظن الإمبراطور الروماني جوليان أنه يستطيع استخدام الورقة الدينية اليهودية لضرب خصومه المسيحيين وغزو بلاد فارس في آن واحد.

عقد “صفقة” مع اليهود لإعادة بناء هيكلهم، وأعطى لهم صك نفوذ وهيمنة علي القدس وكل فلسطين مقابل دعمهم المطلق لغزو بلاد الفرس 

دخل جوليان بلاد فارس (إيران القديمة) بجيش عرمرم وثقة مفرطة.

نجح في التوغل، لكنه واجه استراتيجية  الصبر الفارسي حيث أحرق الفرس محاصيلهم وقطعوا خطوط إمداده، فصار جيشه العظيم يملك السلاح ولكنه يفتقر إلى الرغيف.

افهم هذه العظة جيدًا يا ترامب:

استخدام القضايا الدينية كأدوات سياسية هو لعب بالنار.

الاندفاع نحو “طهران” سهل، لكن الخروج منها هو التحدي الحقيقي.

انتهى الأمر بالإمبراطور جوليان مقتولًا برمح فارسي، وضاعت هيبة روما للأبد.

واليوم، يقف ترامب علي نفس الرمال المتحركة.

إذا اندلعت الشرارة، فلن تكون مجرد ضربة جوية، بل ستكون “صراع ممالك” (كما حذر الإنجيل)، فالصراع لن يكون بين  جيوش فقط بل بين نُظُم عالمية

فالحروب مع ايران  لا تنتهي بضربة قاضية سريعة، بل هي رمال متحركة تبتلع الموارد والسمعة في بلدٍ يتقن الصبر بقدر ما يتقن صنع السجاد

فمن يدخل 'متاهة الفرس' بغرور القوة،  لايخرج منها بالهيبة  فقط

بل يخرج منها أيضا  بنظام عالمي جديد متعدد الاقطاب