بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حكاوى

«البدوى» الليبرالى والعودة إلى الوفد

​ليس أصعب على الكاتب من أن يجد نفسه غريبًا عن داره، ليس قسرًا بفعل هجرة أو اغتراب، بل بفعل قرارات خاطئة وتوجهات ضيقة أجهضت حق التعبير داخل أعرق المؤسسات الصحفية والحزبية فى مصر. اليوم وبعد انقطاع دام نحو عام وثمانية أشهر وتحديدًا ستمائة يوم من الصمت القسرى عن الكتابة فى «الوفد» أعود لأمسك بالقلم من جديد للكتابة فى «الوفد»، ليس لمجرد ملء مساحة بيضاء، بل لاستعادة حق سلب بمزاجية إدارية لم تدرك يومًا أن الوفد ليس مجرد حزب، بل هو فكرة، والفكرة لا تموت بالإقصاء. وفى هذا الصدد أوجه الشكر والتقدير لأخى وصديقى العزيز المحترم الدكتور محمد الباز الذى فتح لى أبواب «الدستور» للكتابة، بعد منعى فى «الوفد»، وسأظل عند حسن ظنه بى فى الاستمرار فى مدرسة «الدستور» الصحفية. ويأتى الدكتور السيد البدوى الليبرالى العظيم رئيسًا لحزب الوفد وهو رائد إعلامى ويحفظ للكتاب والصحفيين قدرهم. ولا يغيب على أحد أنه مؤسس موقع الوفد الإلكترونى عام 2010 وله تجربة رائدة من قبل فى إنشاء وتأسيس تليفزيون الحياة الذى يعد حاليًا صرحًا إعلاميًا ملء السمع والبصر فى الدنيا كلها. وكانت المفاجأة السارة لى أن  يطلب منى البدوى العودة للكتابة فى بيتى- يقصد الوفد - فله منى كل الشكر وعظيم التقدير.

​لقد كانت الشهور العشرون الماضية اختبارًا حقيقيًا لإيماننا بالكلمة. فبسبب تخبط الإدارة السابقة لحزب الوفد، وسلسلة من القرارات التى جانبت الصواب، وأعلت المصالح الضيقة على حساب مصلحة الكيان العريق، وجد الكثير من أبناء الوفد المخلصين أنفسهم خارج المشهد. لم تكن المسألة مجرد إبعاد لكاتب أو إيقاف لمقال، بل كانت محاولة لتغييم شمس الليبرالية المصرية التى طالما أشرقت من داخل دهاليز المقر الرئيسى بالدقى.

​خلال تلك الفترة راقبت من بعيد كيف تآكلت هيبة المؤسسة بفعل قرارات غير مدروسة، وكيف تحولت منصاتنا الإعلامية إلى مساحات للصراع الشخصى بدلاً من أن تكون منبرًا للمعارضة الوطنية البناءة. كانت العزلة مؤلمة لكنها كانت ضرورية لنعيد قراءة المشهد، ولنتأكد أن القلم الذى لا ينحنى للعواصف هو الوحيد الذى يستحق أن يكتب تاريخ هذا الحزب العظيم، الوفد، أكثر من مجرد جريدة.

و​العودة للكتابة فى «الوفد» بعد هذا الانقطاع ليست مجرد استئناف لعمل وظيفى، بل هى عودة إلى الجذور. فجريدة «الوفد»، منذ أسسها أستاذى العظيم مصطفى شردى، وامتدت عبر عهد فؤاد  سراج الدين أعظم الرجال وصاحب فكرة إنشاء هذه الصحيفة وصولاً ليومنا هذا، كانت دائماً لسان حال الضمير المصرى. وعندما غبنا عنها طوال عام وثمانية أشهر، لم نشعر بفقدان المهنة، بل بفقدان الهوية.

​إن الإدارة السابقة، بقراراتها التى اتسمت بالإقصاء وضيق الأفق، تناست أن قوة الوفد استمدت تاريخيًا من تنوع الآراء داخله، ومن قدرته على احتواء المعارضة قبل الموالاة. فالتنكيل بالأقلام التى تختلف مع الرجل الواحد لم يكن يومًا من شيم الوفديين، بل كان دخيلًا على ثقافة الحزب، وهو ما أدى فى النهاية إلى تلك الفجوة التى عانينا منها جميعًا. 

​​إن عودتى اليوم تزامنًا مع حركات التصحيح والوعى الجديد داخل الحزب، هى إشارة واضحة بأن خريف الإدارة قد ولى، وأن ربيع الوفد لا بد أن يزهر من جديد. إن الاعتراف بالخطأ هو أولى خطوات الإصلاح، والاعتراف بأن المرحلة السابقة شهدت تغولاً على حقوق الكتاب والصحفيين هو الانتصار الحقيقى للمبادئ التى تأسس عليها الحزب عام 1919.

​نحن لا نعود لنصفى حسابات قديمة، بل نعود لنبنى ما هدمته العشوائية. نعود لنقول إن الوفد يجب أن يظل رقيبًا على الأداء الحكومى، صوتًا للفقراء، وحارسًا للحريات العامة. إن انقطاع عام وثمانية أشهر علمنا أن المؤسسات باقية والأفراد زائلون، وأن التاريخ لا يرحم من حاول تدجين الأقلام الحرة أو توظيف المؤسسة لخدمة طموحات شخصية زائلة.

​اليوم ونحن نخط الحروف الأولى بعد العودة، ندرك حجم المسئولية. فالقارئ الذى افتقد صراحة الوفد وقوته، ينتظر منا الكثير. والتحديات التى تواجه الدولة المصرية إقليميًا ودوليًا تتطلب جبهة داخلية قوية، والوفد القوى هو جزء أصيل من قوة الدولة.

​سأكتب عن الإصلاح السياسى الذى يحتاجه الحزب أولًا ثم الوطن، سأكتب عن آلام المواطن البسيط التى يجب أن تكون هى الأساس لجريدتنا. سأكتب بمرارة عما ضاع من وقت فى قرارات خاطئة، ولكن بمرونة من يفتح صفحة جديدة بيضاء، شرط أن تكون هذه المرة محصنة ضد التغول الإدارى وضد أمزجة المسئولين الذين يرحلون وتبقى الكلمة شاهدة عليهم.

و​رسالتى إلى الزملاء والقراء الذين صمدوا، والذين طالهم رذاذ القرارات الجائرة: إن عودة الأقلام المهاجرة هى عودة للروح فى جسد المؤسسة. وإلى القراء الذين تساءلوا عن سر الغياب. لقد كان غيابًا اضطراريًا فرضته علينا ضمائرنا قبل أن تفرضه علينا قرارات الإدارة السابقة. رفضنا أن نكون شهود زور على مرحلة من التخبط، واليوم نعود لنكون شهود حق على مرحلة من البناء.

​إن عامًا وثمانية أشهر من الغياب كانت كافية لنعرف من هم حراس بيت الأمة الحقيقيون، ومن هم الذين اعتبروه مجرد عقبة فى طريق طموحاتهم. اليوم نعود لنؤكد أن الحزب لا يدار بالقرارات الفوقية، بل بالتوافق، وباحترام الأقدمية والخبرة من خلال العمل المؤسسى، وبقدسية حرية الرأى والتعبير.

​​شكرًا للدكتور السيد البدوى ولكل من ساهم فى تصحيح المسار، وشكرًا لكل من آمن بأن مكانى الطبيعى هو هنا فى بيتى فوق هذه الصفحات التى تشبهنا ونشبهها. إن قلمى الذى صمت لعام وثمانية أشهر فى «الوفد»، يعود اليوم بمداد أكثر عزيمة، وبوعى أعمق بأن الحرية ليست منحة أو قرار إدارة، بل هى انتزاع لحق طبيعى لا يضيع ما دام وراءه مطالب.

​لقد سقطت قرارات الإدارة السابقة فى مزبلة التاريخ، وبقيت «الوفد» وبقى كُتّابها. واليوم، نفتح باب الأمل، لنكتب للمستقبل، ولنقول بأعلى صوت: «عاش الوفد ضميراً للأمة».