بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

تصحيح مسار

«أمى».. فى ذمة الله يا «جنة الدنيا»!!

لا توجد كلمات تداوى جرح فقد الأم، فهو كسر لا يجبر إلا بالصبر والرضا، ولكن الكتابة أحيانا تكون وسيلة للوفاء وبث الشجن، نعلم جميعا أن الموت حق، لكن موت الأم «حق ثقيل» لا تستوعبه الكلمات، منذ أيام انطفأت شمس بيتنا، ورحلت من كانت تضىء لنا عتمة الأيام بدعوة، وتزيح عن أكتافنا هموم الدنيا بابتسامة، رحلت أمى «جنة الدنيا»، وتركت خلفها صمتا موجعا وفراغا لا يملؤه أحد، اليوم، لا أكتب لأرثيها فحسب، بل لأحكى عن ذلك الخفاء العظيم الذى كانت تدير به حياتنا، وعن الندم الذى يداهمنا حين ندرك -متأخرين- أننا كنا نعيش فى ظل جنة لم نقدر تمام قدسيتها إلا حين فقدناها.

الأم ليست مجرد شخص يطعم ويسقى، بل هى المدير الخفى لأرواحنا، فى حياتها نعتبر استيقاظنا على صوتها أمرا بديهيا، وترتيب ثيابنا، ودعواتها التى تسبقنا إلى العمل، وتفقدها لأحوالنا حين نتأخر.. كلها تفاصيل نمر عليها مرور الكرام. بعد رحيلها، نكتشف أن البركة التى كانت فى أرزاقنا، والستر الذى كان يحيط بنا، والتوفيق الذى كان يحالفنا، لم يكن بشطارتنا، بل كان بفضل تلك السجادة التى كانت تفترشها فى جوف الليل لتناجى الله من أجلنا، نحن لا نشعر بثقل الغطاء إلا حين يرفع عنا، ولا نشعر بقيمة الأوكسجين إلا حين يضيق الصدر.

أصعب ما فى رحيل الأم هو تلك اللحظات العفوية حين تهم بالنداء عليها لتخبرها بشىء مضحك ثم تصمت فجأة، حين يشتد بك الوجع فتبحث عن يدها لتمسح على رأسك فلا تجدها، فى هذه اللحظات، يدرك الإنسان أن الأم كانت هى الحائط الوحيد الذى يستند إليه دون خوف من السقوط، وأن العالم بعدها أصبح مكشوفا وباردا وموحشا.

نصيحة من القلب إلى كل من لا يزال يسمع صوت أمه فى البيت، وإلى كل من يستطيع تقبيل يد والده كل صباح، جنتكم لا تزال بين أيديكم، أنتم فى نعمة لا يدرك حجمها إلا من فقدها، لا تؤجلوا البر، لا تظنوا أن بركم بالمال أو الهدايا يكفى، الأم تريد وقتكم، آذانكم الصاغية، ونظرة حب، تحملوا عتاب والديكم، قد يضيق صدرك من كثرة أسئلتهم أو تكرار كلامهم، لكن تذكر أنك يوما ما ستتمنى لو يعود الزمان لتسمع تلك الكلمات مرة أخرى مهما طالت، اصنعوا الذكريات بأيديكم، استمتعوا بضحكاتهم، صوروهم، اجلسوا تحت أقدامهم، فالعمر لحظة، والموت لا يستأذن أحدا.

رحلت أمى، وذهبت معها أجمل أيام عمرى، وبقيت لى ذكريات وصور ودعوات محفورة فى القلب، لقد تعلمت فى هذه الأيام القليلة أن الأم هى الوطن، وأن الإنسان يظل طفلا ما دامت أمه حية، فإذا ماتت ظهرت شيخوخته فجأة ولو كان فى سن العشرين.

أعتذر لك يا أمى عن كل لحظة انشغلت فيها عنك، وعن كل مرة ظننت فيها أنك باقية للأبد، اليوم أقف أمام طيفك لأقول: كنت الجندى الخفى الذى يحارب عنى عثرات الحياة، وكنت الحصن الذى يحمينى من غدر الأيام، والآن.. أصبحت فى مواجهة الدنيا وحيدا إلا من أثرك الطيب.

اللهم إنها «أمى»، أغلى ما ملكت، وأحب من فقدت.. اللهم ارحمها رحمة واسعة، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجبر كسر قلوبنا، وبارك لكل حى فى والديه، وارزقهم برهم قبل فوات الأوان.

وفى رسالة أخيرة لكل من يقرأ: «أدركوا جنتكم قبل أن يوارى الثرى وجهها.. فوالله إن بر الوالدين فى حياتهما هو التجارة الرابحة التى لن تندم عليها أبدا، وفقد أحدهما هو اليتم الحقيقى الذى لا يداويه جبر».

 

[email protected]