بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الاستغناء قوة والتجاوز نصره وما بينهما اختبار

مصر ودورها في دعم الاستقرار الإقليمي في زمن التحولات

 

فلسفة الدولة بين الاستقلال والمسؤولية " الاستغناء قوة والتجاوز نصره وما بينهما اختبار " ليست عبارة بلاغية بل توصيف لمسار الدول التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها في بيئة دولية متغيرة فالاستغناء لا يعني الانعزال بل تنويع الخيارات وتعزيز القدرة الذاتية والتجاوز لا يعني تجاهل التحديات بل إدارتها عبر القانون والمؤسسات أما الاختبار فهو قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الدولية في ظل تحولات النظام الدولي وتغيُر أنماط التحالفات وتصاعد التحديات الاقتصادية والأمنية تبرز أهمية الدول المستقرة القادرة على الإسهام في دعم الاستقرار الإقليمي بأدوات مشروعة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وفي هذا السياق تظل مصر بحكم تاريخها وموقعها وثقلها المؤسسي دولة محورية في محيطها العربي والأفريقي والمتوسطي .
*"مصر جذورها عربية وثقافتها أفريقية وهواؤها متوسطي وحضارتها إنسانية ممتدة عبر التاريخ"*

*أولاً : الدولة المصرية •• ركيزة الاستمرارية المؤسسية*

تمثل مصر نموذجاً للدولة ذات الجذور التاريخية العميقة حيث تطور مفهوم الدولة المركزية عبر قرون طويلة وصولاً إلى الدولة الحديثة بمؤسساتها الدستورية والقانونية وقد شكّل تأسيس جامعة الدول العربية في القاهرة عام 1945 انعكاساً لمكانة مصر كمركز للحوار العربي المشترك وإن استمرارية المؤسسات واحترام الدستور وانتظام العملية السياسية تمثل عناصر أساسية في استقرار الدولة وهو ما ينعكس على قدرتها على الإسهام في دعم الاستقرار الإقليمي من خلال سياسات تستند إلى الشرعية الدستورية وسيادة القانون .

*ثانياً : تنوع العلاقات الدولية •• استقلال القرار في إطار الشرعية*

تنطلق السياسة الخارجية المصرية من مبدأ تنويع الشراكات الدولية بما يعزز استقلال القرار الوطني ويحقق المصالح المشتركة ويتجسد ذلك في الاتى :
١- شراكات استراتيجية ممتدة مع قوى دولية كبرى .
٢- علاقات تعاون متنامية مع الدول الأوروبية .
٣- الانفتاح على القوى الآسيوية الصاعدة ( الصين - تركيا ) .
٤- تنسيق وثيق مع الدول العربية والأفريقية .

*هذا التنوع لا يستهدف الانحياز لمحور ضد آخر بل يقوم على تحقيق التوازن والالتزام بمبادئ الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي بما يعزز الأمن والسلم الإقليمي ويصون المصالح الوطنية في إطار من المشروعية .*

*ثالثاً : تطوير القدرات الدفاعية •• حق مشروع وفق القانون الدولي*

في عالم تتزايد فيه التحديات الأمنية العابرة للحدود يمثل تعزيز القدرات الدفاعية الوطنية حقاً سيادياً مشروعاً لكل دولة استناداً إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تقر بحق الدفاع الشرعي عن النفس وقد اعتمدت مصر سياسة تنويع مصادر التسليح وتحديث منظوماتها الدفاعية بهدف الاتى :
١- حماية الحدود البرية والبحرية .
٢- تأمين الممرات الملاحية الحيوية .
٣- دعم جهود مكافحة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود .
٤- الإسهام في حفظ الاستقرار الإقليمي .

ويتم ذلك في إطار احترام قواعد القانون الدولي ودون الإخلال بمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى بما يضمن الطابع الدفاعي للسياسات الأمنية .

*رابعاً : الدور الدبلوماسي ودعم الحلول السلمية*

تؤكد مصر في تحركاتها الإقليمية والدولية على أولوية الحلول السياسية والسلمية للنزاعات انطلاقاً من ثوابت راسخة تقوم على الاتى :
١- احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها .
٢- دعم مؤسسات الدولة الوطنية .
٣- رفض التدخلات الخارجية غير المشروعة .
٤- تسوية النزاعات عبر الحوار والتفاوض .

وقد انعكس هذا النهج في مشاركات مصر في جهود التهدئة وتسوية عدد من الأزمات الإقليمية بما يسهم في تقليص حدة التوترات وتهيئة بيئة داعمة للتنمية والاستقرار .

*خامساً : البعد الاقتصادي •• الاستدامة أساس الاستقلال*

لا يمكن لأي دور إقليمي أن يستند إلى أسس متينة دون قاعدة اقتصادية قوية ومن هذا المنطلق تركز الدولة المصرية على الاتى :
١- تعزيز الإنتاج المحلي .
٢- تنويع مصادر الدخل القومي .
٣- جذب الاستثمارات في قطاعات استراتيجية .
٤- تطوير البنية التحتية .
٥- دعم التحول الرقمي .

كما أن إدارة قناة السويس تمنح مصر دوراً محورياً في حركة التجارة العالمية وهو دور يُمارس وفق القوانين والاتفاقيات الدولية المنظمة للملاحة البحرية وبما يحقق التوازن بين متطلبات السيادة الوطنية وقواعد القانون الدولي .

*الاستقلال الاقتصادي هنا لا يعني الانغلاق بل تعزيز القدرة التنافسية والانخراط الإيجابي في الاقتصاد العالمي .*

*سادساً : البعد القانوني •• الالتزام بالشرعية الوطنية والدولية*

تتحرك الدولة المصرية في إطار دستوري واضح حيث يُعد احترام الدستور وسيادة القانون اساساً لكل السياسات العامة وعلى المستوى الدولي تلتزم مصر بالاتفاقيات والمعاهدات التي انضمت إليها وبمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وعلى رأسها :
١- المساواة في السيادة بين الدول .
٢- عدم استخدام القوة أو التهديد بها .
٣- تسوية النزاعات بالطرق السلمية .
٤- عدم التدخل في الشؤون الداخلية .

*هذا الالتزام يعزز من مصداقية الدولة كشريك مسؤول ويؤكد أن سياساتها الخارجية والدفاعية تستند إلى إطار قانوني واضح ومتناغم مع قواعد الشرعية الدولية .*

*سابعاً : البعد الاجتماعي •• التماسك الداخلى أساس قوة الخارج*

يمثل الاستقرار المجتمعي الركيزة الأساسية لأي دور خارجي فاعل ومن ثمّ فإن تعزيز قيم المواطنة وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون ودعم التنمية البشرية تعد عناصر جوهرية في بناء الدولة الحديثة والاستثمار في التعليم وتمكين الشباب ودعم دور المرأة وتطوير الإعلام المسؤول كلها مكونات تعزز من تماسك الجبهة الداخلية وتمنح الدولة قدرة أكبر على الإسهام الإيجابي في محيطها في إطار من الانسجام المجتمعي والاستقرار المؤسسي .

*ثامناً : مصر ودوائر الانتماء الاستراتيجي*

تتحرك مصر ضمن ثلاث دوائر رئيسية مترابطة هى :
١- الدائرة العربية : 
دعم العمل العربي المشترك وتعزيز الاستقرار .
٢- الدائرة الأفريقية : 
توسيع مجالات التعاون التنموي والاستثماري .
٣- الدائرة المتوسطية : 
تعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية بما يخدم المصالح المتبادلة .

ويتم ذلك وفق مبدأ المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والتعاون المتكافئ بما يعكس رؤية متوازنة لدور إقليمي مسؤول .

*فى النهايه ••* إن المرجعية مسؤولية لا امتياز وإن الحديث عن دور مصر في محيطها لا ينطلق من منطق الهيمنة بل من منطلق المسؤولية المشتركة في دعم الاستقرار الإقليمي فالاستغناء قوة حين يعزز استقلال القرار والتجاوز نصره حين يتم عبر مؤسسات راسخة وما بينهما اختبار مستمر لمدى الالتزام بالقانون والشرعية تتجلى قوة مصر في تنوع علاقاتها وتوازن سياساتها واحترامها للدستور والقانون والتزامها بالقواعد الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول ومن خلال هذا الإطار المتكامل السياسي والأمني والاقتصادي والقانوني والاجتماعى تسهم مصر في دعم الاستقرار الإقليمي كشريك مسؤول ملتزم بالشرعية الوطنية والدولية ومنفتح على التعاون وحريص على تحقيق المصالح المشتركة في إطار من الاحترام المتبادل وبهذا الفهم تصبح مصر عنصر توازن في محيطها لا عبر الشعارات بل عبر مؤسسات مستقرة وسياسات متزنة ورؤية استراتيجية تقوم على البناء والتعاون والسلام .