مع بدء العام الخامس للحرب
أوكرانيا بين مخاوف «زيلينسكى» وطموحات «بوتين»
فى لحظة فارقة أحيت أوكرانيا الذكرى السنوية الرابعة لاندلاع الحرب، والهجوم الروسى عليها ، وسط مشهد دولى تسيطر عليه الضبابية، ومحاصر بين خنادق القتال وطاولات التفاوض المتعثرة، فمنذ ذلك الفجر الدامى فى 24 فبراير 2022، تحولت الأراضى الأوكرانية إلى مسرح لأفتك نزاع عرفته أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، مخلّفة عشرات الآلاف من الضحايا ودماراً لا تقوى الأرقام على وصف بشاعته.
وأعلن الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى فى خطاب مصور بثته الشاشات من قلب العاصمة كييف، وبخلفية مشاهد المقاومة الشعبية الأوكرانية: «بوتين لم يحقق أهدافه»، وشدد على أن المخطط الروسى لكسر إرادة الأوكرانيين قد تحطم أمام صمودهم، مؤكداً أن بلاده مستعدة لبذل «كل ما فى وسعها» لانتزاع سلام لا يكتفى بكونه مجرد حبر على ورق، بل سلام «قوي وكريم ودائم» يقبله الشعب الأوكرانى قبل غيره.
ودعم الموقف الأوكرانى حضور رفيع المستوى لحلفاء كييف؛ حيث توافد العديد من القادة إلى العاصمة المحاصرة بالشتاء والقذائف، يتقدمهم الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
ووصف الرئيس الفرنسى ماكرون الحرب بأنها «فشل ثلاثى لروسيا» على المستويات العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، متنبئاً بلحظة إدراك روسية مستقبلية لفداحة «الجريمة» التى ارتُكبت باسمهم.
وعلى الرغم من أن التحركات الدبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية والتى أطلقتها مع الشهور الأخيرة من العام المنصرم، إلا أنه لا تزال الفجوة بين موسكو وكييف تتسع حول «جغرافيا السلام» فروسيا، التى تبسط سيطرتها على نحو 20% من الأراضى الأوكرانية، تضع السيطرة الكاملة على إقليم دونيتسك شرطاً لا يقبل التفاوض، مهددة باستخدام القوة الغاشمة لفرض «الأمر الواقع».
فى المقابل، ترفض كييف هذا «الابتزاز الجغرافي»، وتربط أى اتفاق بضمانات أمنية ملموسة تردع موسكو عن غزو ثالث مستقبلى، وبينما تسعى واشنطن لطى صفحة الحرب يبرز الخلاف العميق حول «المنطقة العازلة»؛ حيث ترفض موسكو بشدة المقترحات الأوكرانية لنشر قوات أوروبية لحفظ السلام، بينما يحذر بوتين من أن «التكافؤ الاستراتيجي» ومستقبل روسيا يمر عبر فوهات المدافع فى دونباس.
وصرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فى زيارتها العاشرة لكييف، بأنها اختارت تفقد منشآت الطاقة المتضررة، لترسل رسالة مفادها أن أوروبا لن تتراجع عن دعمها المالى والعسكرى «حتى إرساء السلام بشروط أوكرانيا»، ولكن هذا الدعم يصطدم بواقع اقتصادى مرير؛ فتقرير البنك الدولى والاتحاد الأوروبى الأخير يقدر تكلفة إعادة الإعمار بنحو 588 مليار دولار على مدار العقد المقبل، وهذا الرقم يعكس حجم الفاجعة فى بلد كان يُصنف قبل الحرب من بين الأفقر فى أوروبا، وبات اليوم يواجه مهمة إعادة بناء كيانه من الصفر.
وأشار العديد من المحللين الاستراتيجيين إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة استنزاف البنية التحتية؛ حيث كثفت موسكو هجماتها على مرافق الطاقة، ما أغرق ملايين الأوكرانيين فى ظلام وبرد قارس.
وعلى ما يبدو فإن المفاوضات تسير فى طريق متعثر، حيث يرى بوتين فى جنوده «حماة للوطن» يمنعون تمدد الناتو، بينما يرى زيلينسكى المشهد من زاوية أكثر خطورة؛ إذ صرح لـ «بى بى سي» بأن بوتين «بدأ بالفعل» الحرب العالمية الثالثة عبر محاولة فرض أسلوب حياة مختلف على العالم بالقوة.. فهل تنجح الدبلوماسية فى نزع فتيل الحرب، لتسدل الستار مع الأيام الأولى لعامها الخامس، أم يبقى الميدان الحكم الوحيد فى صراع النفس الطويل؟