الموائد الرمضانية..فى مصر حاجة تانية
منذ أن أشرقت شمس الإسلام على أرض الكنانة، والمصريون يضربون أروع الأمثلة فى الكرم والجود والعطاء، فى كل عام ومع إطلالة هلال رمضان، تتحول شوارع مصر إلى موائد كبرى لا تغيب عنها الشمس، لا تفرق بين غنى وفقير، ولا بين مسلم ومسيحى، فالكل على مائدة واحدة.
وتنتشر «موائد الرحمن» فى شوارع المحروسة من أسوان إلى الإسكندرية، يعدها الأهالى لإفطار الصائمين فى الطرقات، ناهيك عن العشرات الذين يقفون على الطرق المحورية لتوزيع وجبات فى عبوات أو أكياس تضم منتجات غذائية جافة أو طازجة.
ومع الوقت أصبحت «موائد الرحمن» من أهم الطقوس والعادات المصرية، وبدأت الأحياء والمناطق الشعبية تتسابق طوال شهر رمضان على نيل لقب أكبر مائدة إفطار فى مصر.
ورغم الأزمات الاقتصادية المتعاقبة، والأوضاع العالمية، والتوترات الجيوسياسية، فإن «موائد الرحمن» فى رمضان 2026 لم تختفِ، بل لا تزال تقوم بدورها الروحانى والإنسانى والاجتماعى بين مختلف الطبقات المجتمعية.
ولم يكن استمرار «موائد الرحمن» هذا العام أمرًا يسيرًا بعد زيادة الأسعار فى الفترة الأخيرة، إلا أن السعى لنيل ثواب إفطار صائم يدفع المتبرعين للتسابق مهما بلغت التكاليف، معتبرين العمل الخيرى وسيلة للتكفير عن الذنوب أو جلب البركة.
وتقوم «موائد الرحمن» على مجموعات من الأفراد يتعاونون فى تحمل التكلفة، ساعين إلى توفير الاحتياجات قدر الإمكان دون المساس بالأساسيات، تطبيقًا لمبدأ «الخير بأقل تكلفة».
وتُعد التبرعات العينية من أهم الأدوات التى تعتمد عليها «موائد الرحمن»، حيث يقدم المتبرعون سلعًا غذائية أساسية مثل الأرز والزيت والبقوليات والخضراوات بدلًا من الدعم النقدى فقط، ما يسهم فى خفض المصروفات التشغيلية وضمان توجيه الموارد مباشرة لإعداد الوجبات.
ويحرص القائمون على «موائد الرحمن»، على تقديم وجبات متوازنة وبسيطة تحقق الاكتفاء الغذائى مع تقليل العناصر مرتفعة التكلفة، إلى جانب مراجعة بنود الإنفاق بشكل دورى، بما يضمن استمرار الموائد دون الإخلال بدورها الأساسى أو تحميلها أعباء مالية غير قابلة للاستدامة.
يقال إن الأمير احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية هو أول من أقام مائدة الرحمن فى مصر فى السنة الرابعة لولايته حيث جمع القادة والتجار والأعيان على مائدة حافلة فى أول أيام رمضان وخطب فيهم «إننى لم أجمعكم حول هذه الاسمطة ألا لأعلمكم طريق البر بالناس وأنا أعلم أنكم لستم فى حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب ولكننى وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم فى رمضان ولذلك فإننى آمركم بأن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم فيتذوقها الفقير المحروم» وأخبرهم ابن طولون بأن هذه المائدة ستستمر طوال أيام الشهر الكريم..
وهناك من يشير إلى إن الخليفة المعز لدين الله الفاطمى كان أول من وضع تقليدا للمآدب الخيرية فى عهد الدولة الفاطمية وهو أول من أقام مائدة فى شهر رمضان يفطر عليها أهل جامع عمرو بن العاص وكان يخرج من قصره …
ومن أشهر الموائد المصرية اكبر مائدة رحمن فى العالم والتى تم إقامتها عام ٢٠١٥ فى الإسكندرية وكانت فى البداية فكرة على الفيسبوك ولكن المسئولين بالمحافظة اخدوا الفكرة بالجد وتم الاستعداد لها وقام عدد من رجال الأعمال بدعمها وقد وصل طولها ٤٣٠٠ متر وحققت رقما قياسيا فى موسوعة جينيس وجمعت أهالى الإسكندرية فى جو رمضانى وكانت من كوبرى استانلى إلى سيدى بشر وبدون اى فراغات تم رصد الترابيزات التى وصل عددها إلى ٣١٠٦ ترابيزة شارك فيها رجال أعمال و٨٠٠شاب متطوع غير عدد من الوزارات والجمعيات واصحاب مطاعم وسمح أيضا لمن يريد المشاركة بطعامه ويشارك فى المائدة أو يحضر طعاما للمحتاج وتبرع رجال أعمال بوجبات افطار بقيمة ٣٥٠ الف جنيه.. وكان مشهدا مبهجا.
ومن اشهر واكبر الموائد التى ظهرت فى الفترة الأخيرة مائدة رحمن المطرية والتى يشارك فى إعدادها أهالى المطرية بالقاهرة وكانت تضم الأهالى وبعض الوزراء والمشاهير ونجوما من الكورة والفن بجانب أهالى المطرية فى مشهد مبهج تكلم عنه العالم وتستقبل ١٠الاف صائم كل عام.
ومن اشهر الموائد الجماعية منذ سنوات وحتى هذا العام مائدة الجامع الأزهر والتى تضم الطلاب المغتربين الدارسين فى الأزهر وإفطار جماعى لحوالى ٥ آلاف صائم والتحضيرات تكون على اعلى مستوى..
الا أن هناك موائد الرحمن، ظهرت فى الفترة الأخيرة خاصة قبل كورونا وهى موائد الفنانين ولكنها اختفت ولكن هناك مائدة الاشراف المهدية والتى تقام منذ عام ١٩٩٠ فى استاد القاهرة.
موائد الرحمن هذا العام وضع لها شروط للتنظيم حيث أكدت محافظة القاهرة أهمية توافر عدة شروط لإقامة موائد الرحمن.
ضرورة توافر كافة وسائل الأمان والحماية المدنية بموقع المائدة.. والالتزام التام بالحفاظ على نظافة المكان المحيط بالمائدة.. وضمان عدم إعاقة حركة المرور أو إشغال الطرق العامة بشكل يعطل المواطنين، وأشار محافظ القاهرة إلى أن الجهات المنظمة للموائد ستتمتع بإعفاء كامل من الرسوم.