تأملات
الحقيقة العارية فى الأزمة الإيرانية
بغض النظر عما ستؤول إليه الأوضاع على الجبهة الإيرانية خلال الأيام المقبلة، فى ضوء التهديدات الأمريكية بشن عملية عسكرية ضد طهران، فإنه يبقى من المهم فى إطار رصد دلالات ما يجرى استخلاص حقيقة مهمة تتعلق بطبيعة التحول الذى يعيشه النظام الدولى وتعتبر الأزمة مع إيران كاشفة له ألا وهى أن حكم ترامب يقود ذلك النظام إلى وضعية جديدة بقواعد مختلفة عن تلك التى حكمت النظام السابق ألا وهى استخدام القوة فى أكثر تجلياتها وضوحا وتنحية أى قواعد تحكم العلاقات بين الدول والتى ينظمها ميثاق الأمم المتحدة كإطار حاكم لتلك العلاقات.
ولكى تتضح الصورة خذ مثلا الموقف الأمريكى خلال الأزمة مع العراق أيام حكم صدام والأزمة الجارية مع طهران. كان الملمح الأساسى فى الأولى سعى الولايات المتحدة الحميم من أجل تشكيل حشد دولى يوفر إطارا من الشرعية للقيام بعملياتها هناك واستغرق ذلك الأمر جهودا كبيرة لانتزاع موافقة مجلس الأمن على العملية الأمريكية وكذلك كسب تأييد دول مختلفة لتعزيز الموقف الأمريكى إذا ما دعت الظروف للقيام بعمل عدائى ضد العراق خارج نطاق قرارات الشرعية الدولية.
فى الأزمة مع إيران من الواضح أن واشنطن لا تأبه ولا تبالى بفكرة كسب تأييد دولى أو غير دولى، أن تتم عمليتها ضد إيران على أساس من الشرعية الدولية أو بدونها، السلوك الأمريكى أقرب ما يكون إلى البلطجة الدولية فى أكثر تجلياتها وضوحا. والمشكلة هى أن هناك ما يمكن اعتباره نوعا من القبول الدولى لذلك النهج وكأنه أمر مسلم به، للدرجة التى لا ترفع معها إيران مثلا وهى الدولة المتضررة راية التشكيك فى أبعاد الموقف الأمريكى.
جوهر الموقف الذى يتبناه ترامب هو تنصيب بلاده شرطيا دوليا يحدد فيه من وجهة نظره الطرف المارق والذى انتهك قواعد النظام الدولى وطبيعة العقاب الذى يناله هذا الطرف. ولعله مما يدعو إلى التساؤل والتفكير فى مآلات المستقبل بشأن التحولات التى يعيشها العالم أنه إذا كان الموقف الأمريكى خلال الحرب على العراق تمتع بتأييد دولى كبير رغم اليقين بعدم امتلاك نظام صدام لأسلحة دمار شامل، فإن موقف واشنطن تجاه إيران لا يحظى بقبول دولى حتى من قبل حلفاء الولايات المتحدة لحد إعلان بريطانيا رفضها استخدام قواعدها من قبل القوات الأمريكية فى العمليات العسكرية ضد إيران.
ورغم رفض القوى الدولية الرئيسية فى النظام الدولى مثل الصين وروسيا للسلوك الأمريكى إلا أن هذا الرفض لم يتبلور فى شكل موقف واضح ومعارضة قوية تضع قيودا على حركة نظام ترامب وتجعله يفكر مرات ومرات قبل الإقدام على شن عمل عسكرى ضد إيران.
ربما يمكن تفسير موقف بكين وموسكو بأنه يعكس رؤية ترى فى المحطة الإيرانية فخا لإدارة ترامب ومجالا لاستنزاف القدرات الأمريكية، على شاكلة ما سعى الغرب لرسمه بشأن وضع أوكرانيا كمجال لاستنزاف قوة روسيا، وربما يكون هناك قدر من التوافق الضمنى على تقسيم مناطق النفوذ الدولى على نحو تستبعد منه قوى تقليدية من قيادة النظام الدولى وفى القلب منها مجموعة دول أوروبية. غير أنه فى كل الأحوال فإن الحالة التى يجد العالم نفسه إزاءها فى الأزمة الإيرانية تعتبر حالة فريدة ولا شك أنها ستمثل بما ينتج عنها من تطورات ما زالت فى مرحلة الاختمار نواة بزوغ نظام عالمى جديد، يبدو فيه وضع الولايات المتحدة رغم قيادتها لعملية التغيير لذلك النظام محاطا بالشكوك، الأمر الذى يرى فيه البعض مسعى من الولايات المتحدة لصياغة الأوضاع الدولية بشكل يحافظ على هيمنتها فى ضوء المؤشرات التى تؤكد على أفولها.