كتاب جديد "صورة الفلسطيني في السينما الإسرائيلية"
صدر أخيرا عن "دار سما" في القاهرة، كتاب "صورة الفلسطيني في السينما الإسرائيلية" للناقد أمير العمري، وهو الكتاب رقم 40 في مسيرته النقدية الطويلة. وهو عبارة عن دراسة متعددة الأوجه للسينما الإسرائيلية في اشتباكها وعلاقتها المعقدة مع الإنسان الفلسطيني الذي لم يعد يمكن تجاهله.
كانت صورة الفلسطيني تشغل موقعا مركزيا في السينما الإسرائيلية منذ نشأتها عام 1948، حيث شكلت هذه السينما أداة أساسية في إنتاج الصهيونية وتبرير المشروع الاستعماري الاستيطاني وصياغة "الآخر" الفلسطيني بوصفه تهديدا وجوديا أو كائنا بدائيا، أو غائبا، لا تاريخ له. ولكن مع تطور المؤسسة السينمائية الإسرائيلية من مرحلة الدعاية التأسيسية إلى سينما المؤلف، ثم إلى موجة الأفلام "النقدية" بعد الانتفاضة الثانية وغزو لبنان، ثم الحرب على غزة، حدثت تحولات نوعية في تمثيل الفلسطيني: من "عدو" بلا وجه، إلى "عامل" يمكن استغلاله، ثم إلى "جار" مؤنسن لكنه محاصر داخل حدود تعريفات الدولةـ وصولا إلى موجة جديدة أكثر تعقيدا بعد 2023.
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن السينما الإسرائيلية ليست مجرد جهاز فني خالص، بل هي جهاز أيديولوجي، يعمل على إعادة إنتاج رؤية الدولة لنفسها ولـ"الآخر"، كجزء من مجموعة من المؤسسات التي تساهم في ترسيخ الأيديولوجية السائدة والمحافظة عليها في المجتمع، على عكس أجهزة الدولة القمعية التي تعتمد على القوة والعنف (مثل الشرطة والجيش) وتعمل هذه الأجهزة على جعل الهيمنة الأيديولوجية تبدو وكأنها حقائق طبيعية أو اختيارات شخصية، من خلال استدعاء الأفراد كذوات في سياق اجتماعي معين. لذلك فإن الفلسطيني في السينما الإسرائيلية ليس شخصية درامية محايدة، بل نتاجٌ لعملية إنتاج رمزي تحددها السلطة، والرقابة، والتمويل، والتلقي الجماهيري، والسياق السياسي.
ولتحليل هذا الإنتاج الرمزي، يعتمد الكتاب مقاربة متعددة المستويات، تجمع بين تحليل الخطاب السينمائي (اللغة البصرية، السرد، بناء الشخصية)، ودراسة "التمثيل" أو "التجسيد التي تفترض أن المعنى ليس ثابتًا في الواقع، بل يُنتَج ويُبنى بنشاط من خلال اللغة والعلامات والصور. وتُعد هذه العملية أساسية في تشكيل فهمنا الجماعي للعالم، حيث تلعب وسائل الإعلام دورًا حاسمًا في كيفية بناء الهويات والأفكار، بدلًا من أن تكون مجرد انعكاس لواقع قائم.
يدرس الكتاب تطور صورة الفلسطيني عبر مسار زمني يمتد من المراحل الأولى للسينما الإسرائيلية في خمسينيات القرن العشرين، وصولا إلى السينما الإسرائيلية الجديدة في العقدين الأخيرين، مرورًا بمحطات مفصلية مثل حرب 1967 والانتفاضتين الأولى والثانية واتفاقيات أوسلو، وصولا إلى ما بعد عملية طوفان الأقصى. هذا الامتداد التاريخي يوضح كيف تغيّرت الصورة، لا بوصفها تطورًا فنيًا فحسب، بل بوصفها انعكاسًا مباشرًا لتحولات المجتمع الإسرائيلي نفسه ولطبيعة علاقته بالفلسطيني.
يقسّم الكتاب هذا المسار إلى مراحل كبرى:
- مرحلة تأسيس الصورة الصهيونية التي يغيب فيها الفلسطيني عمدًا.
- مرحلة "العدو" التي يظهر فيها الفلسطيني كخطر وجودي.
- مرحلة "التعاطف المحدود" التي تُنزع فيها السياسة من شخصية الفلسطيني.
- مرحلة الاعتراف وإخراج الفلسطيني من الظل في "السينما الإسرائيلية الجديدة" التي تُقدّم الفلسطيني بصورة مركّبة ظاهريًا لكنها لا تتجاوز حدود البنية الاستعمارية.
ولكن الكتاب لا يكتفي بتحليل كيف يظهر الفلسطيني، بل يدرس أيضًا كيف يغيب، لأن الغياب ليس انعدامًا، بل تقنية تمثيل مركزية. ففي أعمال كثيرة، من "الرقص مع بشير" إلى "فوكستروت"، يصبح الفلسطيني غائبًا ليتيح للإسرائيلي إعادة صياغة أزمته الأخلاقية دون مواجهة مسؤولياته السياسية. وهنا تكمن واحدة من أهم نتائج هذا البحث وهي أن الظهور الغائب والحضور المحجوب، يشكّلان جوهر العلاقة البصرية بين السينما الإسرائيلية والفلسطيني.
ولأن دراسة صورة الفلسطيني في السينما الإسرائيلية ليست شأنًا سينمائيًا صرفًا، بل مدخلً لفهم الصراع بوصفه صراعًا على التمثيل والاعتراف لذا، يسعى الناقد أمير العمري الذي سبق أن أصدر عام 1993 كتابه المرجعي الكبير "سينما الهلاك" عن السينما الصهيونية والذي صدرت منه بعد ذلك طبعتان أخريان، في كتابه الجديد إلى قراءة الأفلام الإسرائيلية، لا بوصفها نصوصًا معزولة، بل كجزء من خطاب ثقافي أوسع، يشارك في تشكيل الوعي الجمعي داخل إسرائيل وخارجها. كما يحاول تفكيك ما يبدو طبيعيًا أو بديهيًا في الصورة، وإعادة كشف ما تمّ تطبيعه عبر التكرار، وما تمّ إسكاتُه عبر الجماليات.
في الكتاب فصل عن صورة المرأة الفلسطينية في السينما الإسرائيلية، وفصل آخر عن صورة الفلسطيني في الأفلام الإسرائيلية التي تدور عن الحرب، كما يتناول المؤلف في فصل آخر التجارب السينمائية الطليعية التي خاضها المخرج الإسرائيلي عاموس جيتاي في الألفية الثالثة، سعيا لاكتشاف طبيعة التحولات التي طرأت على رؤيته السينمائية وتطور نظرته السياسية في ضوء المتغيرات التي شهدتها المنطقة، وانعكست بقوة على الداخل الإسرائيلي.
ويبحث الكتاب في فصل خاص التغيرات التي طرأت على السينما الإسرائيلية بعد عملية "طوفان الأقصى"، وهل تغيرت الصورة التي كانت تقدمها للفلسطيني، وماذا يمكن أن يسفر عن الجدل الذي اشتعل داخل المجتمع الإسرائيلي والأصداء القوية العنيفة التي أسفرت عن ذلك الهجوم، وبروز قوة اليمين القومي الديني، وانعكاساته على السينما الإسرائيلية، وعلى العلاقة بين السلطة والمجتمع السينمائي داخل إسرائيل، وعلى الأوساط السينمائية والثقافية في الخارج.
الكتاب يوفر للقاريء والدارس مادة جديدة مدعومة بالمراجع والمصادر، ويتميز بدقة المصطلح، وشمولية التحليل، ويعكس إطلاع المؤلف على عشرات الأفلام الإسرائيلية ودراستها جيدا عبر سنوات من العمل والجهد والمشاهدة في مهرجانات السينما العالمية.
