خيوط الضياء من أستار الكعبة إلى لوحات البركة
فن السيرما.. مفاتيح النور
فى قلب القاهرة الفاطمية، وتحديداً حيث تتقاطع أنفاس التاريخ فى شارع المعز لدين الله وحارة الخرنفش، لا يزال صرير الإبرة وهى تخترق نسيج «القطيفة» الأسود يحكى قصة فنٍ وُلد من رحم القداسة، وانتقل عبر القرون ليكون حارساً للروحانية فى بيوت المسلمين، فلا تكتفى البيوت بالأضواء والفوانيس مع إطلالة شهر رمضان، بل ترتدى جدرانها حُلّةً من نورٍ آخر؛ لوحات قرآنية مشغولة بفن السيرما، تُطرَّز فيها الكلمات بخيوط لامعة كأنها خيوط دعاءٍ ممتد، غير أن اختيار الآيات لا يأتى اعتباطًا، بل يعكس وعيًا بحاجات الروح وهواجس الواقع، فيغدو الجدار مساحة ذكرٍ دائم، وشاهدًا بصريًا على معانى الإيمان.
لوحات البركة
وهكذا تتزيّن جدران فى رمضان بآياتٍ تُختار بعناية، كأنها مفاتيح نورٍ تُعلَّق فى صدر البيوت، فبعض الأسر تنتقى آيات الرزق، فتصدّر منازلها بقوله تعالى: _إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ_ (الذاريات: 58)، استحضارًا لمعنى البركة وترسيخًا لليقين بأن خزائن العطاء بيد الله وحده، فتسكن القلوب ويترسخ الرضا.
وتتجه بيوت أخرى إلى آيات التحصين، وفى مقدمتها آية الكرسى، مع المعوّذات، طلبًا للحفظ ودفعًا للشرور، فتشيع فى الأرجاء طمأنينة خفيّة وأمانٌ يظلّل المكان. كما تحضر آيات السكينة، مثل: _أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ_ (الرعد: 28)، تعبيرًا عن توقٍ داخلى إلى الاستقرار، فتغدو اللوحة مرسى روحيًا يعين على العبادة ويعمّق لحظات الصفاء.
ولا يكاد يخلو جدار من ذكرٍ جامع، كعبارة: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، بما تحمله من معانى التفويض والتوكل، فيتحول الجدار فى الشهر الكريم إلى محراب نابض، تتجاوز فيه لوحات السيرما حدود الزينة العابرة إلى فضاء الهيبة والمعنى.
ومن هنا يبدو فن «السيرما» أكثر من مجرد تطريز بخيوط الذهب والفضة؛ إنه لغة بصرية راقية تمزج بين هيبة النص القرآنى ومهارة يدوية مصرية، استطاعت أن تحول القماش الصامت إلى «لوحة إيمانية» تنبض بالضياء.
فلسفة الخيوط
تعتبر اللوحة الدينية المشغولة بفن السيرما تجسيداً بصرياً لمفهوم «التجرد» فى الفن الإسلامى. فالاعتماد على خلفية من قماش «القطيفة» أو «المخمل» باللون الأسود أو العنابى القاتم ليس اختياراً جمالياً عابراً، بل هو قرار سيميولوجى يهدف إلى امتصاص الضوء المحيط لتركيز الانتباه بالكامل على «خيوط التقصيب» الذهبية والفضية.
هذا التضاد الحاد بين عتمة الخلفية وسطوع الخطوط يمثل فى الوعى الصوفى والجمال الإسلامى الفرق بين «الفناء» (الخلفية القاتمة التى تمثل الدنيا الزائلة) و«البقاء» (الكلمة الإلهية المتمثلة فى الذهب والفضة).
تتحول خيوط القصب فى شهر رمضان إلى لغة بصرية تعزز الروحانية؛ إذ يرى المشاهد فى لمعان الذهب فوق السواد نوعاً من «النور الإلهى» الذى يبدد الظلمات. ويختار الناس فى هذا الشهر الفضيل آيات بعينها لتزيين منازلهم، حيث تحمل كل آية دلالة سيكولوجية وروحية عميقة تتجاوز مجرد الزخرفة.
من «دار الكسوة»
لا يُفهم فن السيرما بعيدًا عن جذوره فى «دار الكسوة الشريفة» بمصر، المؤسسة التى تولّت صناعة ثوب الكعبة قرونًا طويلة، فقد أشار المقريزى فى كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار إلى عناية الخلفاء الفاطميين بـ«خزانة الكسوة»، حيث كانت تُنسج الأثواب الموشّاة بالذهب بكلفة باهظة بلغت فى بعض الأعوام مئات الآلاف من الدنانير، بما يعكس ازدهار حرفة التطريز المعدنى ودقتها.
كما وثّق ابن إياس فى بدائع الزهور فى وقائع الدهور مشاهد خروج «المحمل المصرى»، بعدما أُنجزت الكسوة فى حارة الخرنفش بالجمالية على أيدى «القصابجية»، وهم نخبة الصناع الذين توارثوا أسرار المهنة وعدّوا العمل فى كسوة الكعبة ذروة الشرف الحرفى.
ومع توقف إرسال الكسوة من مصر إلى المملكة العربية السعودية عام 1962، واجه الحرفيون خطر اندثار مهنتهم، فاتجهوا إلى خان الخليلى والجمالية، حيث أعادوا توظيف خبراتهم فى إنتاج لوحات السيرما المستلهمة من حزام الكعبة وستارة بابها. وهكذا انتقل الفن من فضاء القصور إلى بيوت المصريين، ليغدو جزءًا أصيلًا من التراث الشعبى بعد أن كان حرفة ملكية خالصة.
رحلة الخيط
إنتاج لوحة سيرما رحلة فنية تبدأ بخيال الخطاط وتنتهى بأنامل «القصابجى»، ثم تُخط الآية بخط الثلث المذهب، وتُنقل ملامحها إلى القماش، ثم يُضاف الحشو ليمنح الحروف بروزًا ثلاثى الأبعاد، وأخيرًا، يُلف خيط القصب الذهبى بدقة، فيتوازن بين قوة الخط وزخارف لينة، مانحًا اللوحة انسجامًا وبريقًا يخطف العين.
ماكينة بلا روح
فى عصر السرعة، اقتحمت ماكينات التطريز الرقمية عالم السيرما، لكن الفرق بين العمل اليدوى والإنتاج الآلى يتجاوز السعر إلى الجوهر، اللوحة اليدوية تحمل أثر الزمن ولمسة الإنسان، بينما تبدو القطعة الماكينية مسطحة بلا روح.
الماكينات تستخدم خيوطًا صناعية لامعة، فيما يعتمد الحرفى على القصب أو الحرير الطبيعى مع الحشو المتقن الذى يمنح اللوحة بروزًا وهيبة، والزمن عنصر أساسي؛ فالماكينة تنجز لوحة فى ساعة، بينما يقضى الصانع أسابيع على غرزة واحدة، فتتحول القطعة إلى أثر حى.
وخلف كل لوحة «لا حول ولا قوة إلا بالله» يقف صنايعى بخشوع صوفى، والورشة تعج برائحة الجاوى وصوت تواشيح طه الفشنى وسيد النقشبندى. الإبرة لا تدخل القماش إلا وقلبه حاضر، فتغدو الغرز صدى لذكره الداخلى، والماكينة بلا روح، والآية تحتاج قلبًا نابضًا يمنحها جلالها.
ذاكرة من ذهب
فى الختام، نجد أن فن السيرما هو القصيدة البصرية التى تحفظ مهارة مصرية كادت أن تندثر لولا صمود ورش خان الخليلى والجمالية، وإصرار قرى مثل «شمة» بالمنوفية على إحياء التراث، ولحماية هذا الفن، لا بد من دعم «الشيوخ» المتبقين وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلم الصنعة اليدوية، فبقاء السيرما يعنى بقاء اللمسة الإنسانية والضياء الذهبى الذى يذكرنا فى كل رمضان بأن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، جذورها ثابتة وفرعها مزدان بالمذهب.