بين السطور
"بعد 15 عاماً من التجميد هل تعود المجالس المحلية لنبض الشارع"
على مدار خمسة عشر عاماً، عانت مصر من غياب المجالس المحلية، ذلك الغياب الذي ترك فراغاً واضحاً في الحياة اليومية للمواطنين، وخلق فجوة بين احتياجات الشارع وآليات اتخاذ القرار.
فمنذ توقف عمل المجالس المحلية، تراجع الدور الخدمي المباشر الذي كان يمثل خط الدفاع الأول عن مصالح المواطنين في القرى والمراكز والأحياء صحيح أن الرقابة البرلمانية قائمة عبر مجلسي النواب والشيوخ، لكن هذه الرقابة تظل بطبيعتها رقابة مركزية، تنظر إلى القضايا في إطارها العام، ولا تستطيع الإحاطة بكل التفاصيل الدقيقة التي تمس حياة الناس يومياً من مشكلات الصرف الصحي، والطرق، والإنارة، والنظافة، إلى تراخيص البناء ومتابعة أداء الأجهزة التنفيذية على المستوى المحلي.
المجالس المحلية لم تكن مجرد كيانات إدارية، بل كانت آلية اتصال مباشر بين المواطن والدولة، ومنصة لعرض الشكاوى والمقترحات ومتابعة التنفيذ على أرض الواقع. غيابها أضعف هذا الخيط الحيوي، وأدى إلى تراكم المشكلات دون وجود قناة رقابية شعبية قريبة من نبض الشارع.
وفي علم الاجتماع السياسي، تُقاس قوة أي دولة بقدرتها على خلق حلقات وصل فعالة بين المواطن والحكومة. هذه الحلقات لا تقتصر على مؤسسات مركزية كبرى بل تبدأ من المستوى المحلي، حيث يشعر المواطن أن صوته مسموع وأن مشكلته تجد من يتابعها ويحاسب عليها.
إعادة تفعيل المجالس المحلية لا تمثل فقط استحقاقاً دستورياً، بل ضرورة تنموية فهي مدرسة سياسية تفرز كوادر قادرة على الإدارة والعمل العام، وتُعد منصة حقيقية لتأهيل قيادات مستقبلية نشأت من قلب المجتمع وتعرف أولوياته جيداً كما أنها أداة رقابية شعبية تسهم في ترشيد الإنفاق، ومكافحة الفساد الإداري، ورفع كفاءة الخدمات.
ومن هنا تبرز أهمية ضخ دماء جديدة في هذه المجالس، والاستفادة من طاقة وروح الشباب باعتبارهم طاقة متجددة وحيوية قادرة على تحويل المجالس المحلية إلى محركات للتنمية المستدامة والابتكار.
فالشباب اليوم يمتلكون أدوات المعرفة والتكنولوجيا، ويستطيعون تقديم حلول غير تقليدية لمشكلات تقليدية، إذا ما أُتيحت لهم المساحة الحقيقية للمشاركة وصنع القرار.
إن عودة المجالس المحلية الفاعلة ليست مجرد عودة لهيكل إداري، بل استعادة لدور خدمي ورقابي كان يمثل نبض الشارع وصوت المواطن.
ومع بناء حلقات وصل قوية بين الدولة والمجتمع، يمكن تحويل هذا الغياب الطويل إلى نقطة انطلاق نحو إدارة محلية أكثر كفاءة، وأكثر قرباً من الناس، وأكثر قدرة على تحقيق تنمية عادلة ومستدامة يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.