كلود يزلزل أسواق الأمن السيبراني.. كيف أسقط أسهم عمالقة التقنية في يوم واحد؟
في مشهد يُعيد رسم ملامح سوق التقنية العالمي، تسببت أنثروبيك في موجة هلع حقيقية ضربت كبرى شركات الأمن السيبراني، بعد أن كشفت عن ميزة جديدة لروبوتها الذكي كلود Claude قادرة على اكتشاف الثغرات البرمجية بسرعة وكفاءة تفوق ما يقدمه كثير من المتخصصين البشريين.
وفي غضون ساعات، تراجعت أسهم شركات بمليارات الدولارات، مؤكدةً أن عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد يطرق الأبواب، بل بات داخل السوق يعيد ترتيب المشهد من الداخل.
ميزة Claude Code Security أرعبت وول ستريت
أطلقت أنثروبيك ميزة Claude Code Security، وهي أداة متكاملة مدمجة في منصة Claude Code على الويب، صممت لفحص قواعد الكود البرمجي بحثاً عن الثغرات الأمنية، ثم اقتراح حلول وتصحيحات جاهزة لمراجعة الإنسان قبل تطبيقها.
ما يجعل هذه الأداة استثنائية هو أسلوب تفكيرها؛ إذ تعمل بالطريقة ذاتها التي يتبعها باحث أمني متمرس، تتتبع تدفق البيانات، وترصد الأنماط المشبوهة، وتكشف الثغرات المعقدة التي يصعب اكتشافها بالأدوات التقليدية، لكنها تفعل ذلك بسرعة تفوق الطاقة البشرية بمراحل.
والأكثر إثارةً أن الأداة لا تزال في مرحلة المعاينة البحثية، أي أنها لم تُطلق رسمياً بعد، غير أن مجرد الإعلان عنها كان كافياً لزعزعة ثقة المستثمرين في قطاع بأكمله.
أرقام الانهيار.. خسائر بالمليارات في ساعات
كشفت تقارير رويترز عن الحجم الحقيقي للصدمة التي خلّفها هذا الإعلان في الأسواق يوم الاثنين الموافق 23 فبراير:
تراجعت أسهم CrowdStrike وDatadog وZscaler بنسبة تقارب 11% لكل منها، فيما انخفضت Fortinet وOkta بنحو 6%، وسجّلت Palo Alto Networks تراجعاً بلغ 5%. وهي أرقام لافتة بأي معيار، خاصةً أنها جاءت ردّ فعل على أداة لم تُطلق رسمياً بعد.
دعمت أنثروبيك موقفها بأرقام مبهرة؛ إذ أعلنت أن أداة الأمان الجديدة في كلود تمكنت خلال أقل من شهر واحد فقط من اكتشاف أكثر من 500 ثغرة أمنية في قواعد أكواد مفتوحة المصدر مستخدمة فعلياً في الإنتاج. والأمر الأكثر صدمةً هو وصف الشركة لهذه الثغرات بأنها كانت "مخفية لعقود" دون أن يكتشفها أحد، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول مدى كفاءة الأدوات التقليدية المستخدمة حالياً في هذا المجال.
لم يصمت جورج كورتز، الرئيس التنفيذي لشركة CrowdStrike، أمام هذا التحدي المباشر. فسارع إلى نشر منشور على LinkedIn ردّ فيه على المخاوف المتصاعدة، مؤكداً أن أداة كلود الجديدة لن تُنهي مسيرة شركته أو منافسيها، لأنها ببساطة "تعالج مشكلات مختلفة" وتقع في "نقطة مغايرة تماماً من دورة حياة الأمن السيبراني".
وأشار كورتز ضمنياً إلى أن أداة كلود تفتقر حتى الآن إلى الوظائف الأمنية الفورية كرصد الاختراقات الحية أو صدّ الهجمات النشطة، وهو ما يبقى في صميم ما تقدمه شركات مثل CrowdStrike.
رأى شرينيك كوثاري، المحلل المتخصص في الأمن والبنية التحتية لدى Robert W. Baird، أن ما حدث في السوق ليس مجرد تقييم رشيد للمخاطر، بل هو "استمرار لحالة بيع مدفوعة بالهلع وتغذيها الروايات"، في إشارة إلى موجة مشابهة ضربت شركات قانونية وبرمجية في وقت سابق من الشهر ذاته إثر إطلاق أنثروبيك لمكملات مشابهة لكلود.
هذا التشخيص يحمل دلالة مهمة، السوق لا يُسعِّر حقائق ثابتة، بل يُسعِّر المخاوف والتوقعات، وأحياناً يبالغ في كليهما.
IBM في المواجهة.. كلود يهدد وظائف المستشارين
لم يتوقف الأثر عند قطاع الأمن السيبراني. فقد تراجعت أسهم عملاق التقنية IBM بأكثر من 13% في اليوم ذاته، وذلك بعد أن أعلنت أنثروبيك عن قدرة كلود على تحديث لغة البرمجة القديمة COBOL بسرعة وكفاءة لافتتين.
وتُمثّل COBOL العمود الفقري لأنظمة IBM في القطاعات الحيوية كالبنوك والتأمين والحكومات، وقد كان تحديث هذه الأنظمة تاريخياً مشروعاً ضخماً يستنزف سنوات من عمل فرق من المستشارين ومئات الملايين من الدولارات.
وقالت أنثروبيك بوضوح: "تحديث نظام COBOL كان يتطلب جيوشاً من المستشارين يقضون سنوات في رسم خرائط سير العمل، مما أفضى إلى جداول زمنية طويلة وتكاليف باهظة لم تكن كثير من الجهات مستعدة لتحملها. الذكاء الاصطناعي يغير هذه المعادلة كلياً"، وأضافت أن الفرق باتت قادرة على إنجاز تحديث قواعد COBOL في أشهر بدلاً من سنوات.
ما تشهده الأسواق اليوم ليس مجرد تقلبات موسمية أو مخاوف مؤقتة؛ إنه انعكاس لسؤال وجودي يطرحه الذكاء الاصطناعي على قطاعات بأكملها، ما الذي يظل ذا قيمة حين تستطيع الآلة أداءه بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
أنثروبيك، بأدواتها المتسارعة، لا تُعلن فقط عن منتجات جديدة، بل تُعيد تعريف حدود ما يُعدّ مجالاً آمناً من المنافسة، والشركات التي لا تُدرك هذا التحول مبكراً قد تجد نفسها أمام مفاجآت أشد وطأة مما رأيناه يوم الاثنين الماضي.