قضية ورأى
الكربلائية المتجددة
نقلت تصريحات السفير الأمريكى لدى إسرائيل، مايك هاكابى، سياسة الولايات المتحدة من الدبلوماسية الناعمة إلى الدبلوماسية الوقحة.
فبعد أن تقوض المشروع العربى وتفتت بفعل مؤامرات أعدائه وأخطاء قادته المتعاقبين والمتحاربين خصوصا جمال عبدالناصر وصدام حسين، وبعد أن انتهى الاتحاد السوفييتى وأصبح العالم تحت الهيمنة الأمريكية المطلقة، وبعد أن وضعت الحرب السنية ـ الشيعية أوزارها، لم يعد لدى الإدارة الأمريكية ما يمنعها من طرح مشروع إسرائيل الكبرى.
كانت ثورة الخومينى المدعوم من الغرب، نواة الحرب الحديثة بين السنة والشيعة، وهى امتداد للخلافات السياسية والمذهبية منذ حكم الخليفة عثمان ابن عفان فى المدينة ثم معركة كربلاء فى العراق، مرورا بحكم الأمويين فى دمشق، ثم العباسيين من بغداد، ثم العثمانيين من تركيا.
وكما قامت الثورة على الأمويين من خراسان شرق إيران، فقد بدأت بعدها بـ 1200عام، إيران موجة جديدة من تصدير ثورة الخومينى إلى العراق ولبنان واليمن بجانب الهيمنة فى سوريا ومحاولات زعزعة الخليج.
وجددت إيران كربلاء، ورفعت المظلومية التاريخية فى وجه كل دول المنطقة، وكأن كل الحكام العرب هم «بنو أمية»..
الآن انتهى تقريبا المحور الشيعى، بعد أن استنفد قوته فى اختراع واستكمال معارك مع جيرانه السنة، وأصبحت الأرض شبه ممهدة لتوسع إسرائيلى أكبر.
توسع إسرائيلى مدعوم بأيدلوجيا غربية ضد العرب والمسلمين.
ولا تعد العلاقة بين التيارات المسيحية المتطرفة وإسرائيل، تحالفا سياسيا، يستهدف فقط تقويض المشروع الإيرانى كما تم تقويض المشروع العربى، لأغراض السيطرة الاقتصادية والعسكرية.
فالعلاقة بين المسيحية المتطرفة وإسرائيل، واحدة من أعقد وأقوى التحالفات السياسية والدينية فى العصر الحديث، وتحديدًا فى ظل الإدارة الأمريكية الحالية، وتنطلق من رؤية «لاهوتية» عميقة.
فقطاع واسع من المسيحيين الإنجيليين فى الولايات المتحدة، والذين يمثلون قاعدة انتخابية صلبة للإدارة الحالية، يؤمن بأن قيام دولة إسرائيل عام 1948 هو «تحقيق لنبوءات توراتية».
وهم يعتقدون أن تجميع اليهود فى فلسطين هو شرط مسبق لـ «العودة الثانية للمسيح»، ويرفض هذا التيار غالبًا حل الدولتين، بناءً على تفسير دينى يرى أن الأرض «هبة إلهية» غير قابلة للتقسيم.
وهذا بالضبط ماقاله السفير «هاكابى».
يؤمن هذا الفكر بأن صراعًا كبيرًا (معركة هرمجدون) سيحدث فى المنطقة، وهو ما يجعلهم يتبنون مواقف «صقورية» تجاه أعداء إسرائيل مثل إيران، ليس فقط لأسباب أمنية، بل لأنهم يرون فى هذا الصدام قدرًا محتومًا.
وبالطبع هذا ما يعمق مرارة تصريحات السفير مايك هاكابى، ويدفعها بعيدا عن فكرة «زلة لسان» إلى نهج استراتيجى للإدارة الأمريكية، وأعتقد أن مصر والسعودية وتركيا وهى القوى الثلاث الفاعلة فى المنطقة، تدركه جيدا، وتجهز نفسها من أجل المغامرات الإسرائيلية والأمريكية الوشيكة.
حفظ الله مصر