بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خارج السرب

«ظل الإمام».. الحب فى زمن الفتنة

جرأة لا شك امتلكتها نهلة النمر–التى لم أصفها بالروائية حسب ما وصفت نفسها بأنها ليست روائية بل هى مجرد كاتبة لما تعُد تحتمله صمتاً- اقتحمت بها فى رائعتها «ظل الإمام» -التى ينطبق عليها وصف الرواية قلباً وقالباً- تلك الحقبة الزمنية الشائكة من التاريخ الإسلامى؛ فى أعقاب أحداث الفتنة الكبرى، وتحديداً بعد موقعة صفين، بداية أحداث الرواية، مروراً باغتيال سيدنا الإمام على رضى الله عنه وانتهاءً بأحداث كربلاء ومقتل الإمام الحسين.
لا شك أنها حقبة دامية تثلم القلب وتجعله يئن وتترك فى العقل ألف علامة استفهام وحيرة، تجعل الكثيرين يحجمون عن اقتحام بل مجرد الاقتراب من هذه الفترة التاريخية الشائكة، لذا عندما أقول إن مؤلفة رواية «ظل الإمام» –والتى أرى أنها تستحق لقب روائية عن جدارة- لديها تلك الجرأة فلن أكون مجافياً للحقيقة، إذ عندما تكون بصدد تأليف رواية ذات خلفية تاريخية تلامس وقائع دينية، بموضوعية وحرفية شديدة وتنأى عن شخصنة التناول وفق أفكارك أو قناعاتك الشخصية، فتلك مهمة جد عسيرة تتطلب قلماً شجاعاً، مثابراً، يتحرى الدقة لأقصى درجة، وهو ما نجحت فيه الكاتبة، فضلاً عن الموهبة الكبيرة التى تجعلها تسرد وقائع تاريخية يعلمها القارئ جيداً ولكنها تبدو له مشوقة إذ تمزجها بأحداث تتعلق بشخصيات أخرى متخيلة فتصنع أحداثاً شائقة برؤية مغايرة للمألوف تتعمق فى رسم الشخوص سواء الحقيقية أو المتخيلة، وتنسجها معاً لتكوين لوحة روائية تجمع بين الواقع والخيال فى هالة روحانية تجعل القارئ يتماهى معها إلى حد التوحد من فرط براعة رسم الشخوص ونسج الأحداث والروح النقية المتغلغلة فى بنية الرواية.
عنوان الرواية موفق للغاية؛ فالظل لغة هو: «ضوء شعاع الشمس دون الشعاع، فإذا لم يكن هناك ضوء فهو ظلمة وليس بظل، وظل ظَليلٌ ومكان ظليل أى دائم الظل، وفلان يعيش فى ظِلِّ فلان أى فى كنفه، وكل معانى الظل تحققت فى شخصية بطل الرواية «سالم» إذ كان ظلاً للنور الذى يمثله الإمام بكل ما يحمله من نور العلم والحق والخير فعاش فى كنفه حتى بات ملازماً لهم فكان ظلاً ظليلاً لمن حوله، إلا أن ذلك الظل تحول إلى «ظلمة» بعد أن غاب النور؛ الإمام، فى أحداث مأساوية قد لا يصدقها العقل ليتحول ذلك الظل إلى ظلمة، وكذلك فإن اختيار لفظة «السِّفر» بدلاً من «الفصل» أضفى نوعاً من القداسة على كل فصل من فصول الرواية فتحولت الرواية لمتن من المتون أو الأسفار المقدسة التى تحمل من العبرة والحكمة والأسى ما تحمله للقارئ.
ورغم أن أحداث الرواية تجرى فى عصر عز -بل ندر- فيه الحكى حياءً لما وقع فيه من أحداث دامية، فإن الكاتبة نجحت فى كسر حدة أسى الأحداث من خلال إضفاء حيوية وجانب مشرق مفعم بالأمل من خلال عينى بطل الرواية سالم بكل ما يحمله من خفة وروح تواقة لتعلم واختبار الأشياء، وما يعتريه من مشاعر الحب العذرى التى نسجت خيوطه بينه وبين «سلالة»، فأضفت متنفساً من المشاعر الراقية أشبه بنسمة ندية وسط أتون الأحداث الملتهبة، وكذلك فقد نجحت فى بث الحياة بأوصافها المنتقاة بعناية فى شخوص الرواية فجعلت القارئ يعيش بينهم؛ يسمع أصواتهم، ويتألم لألمهم ويفرح لفرحهم وقد غزلت الشخصيات التاريخية الواقعية فى نسيج مُحكم مع الشخصيات الروائية من وحى الخيال، فامتزج الصنفان فى نسيج روائى رائع.
أما لغة الرواية فهى لغة راقية تشعر أمامها بأنك أمام رواية نثرية بل قل شعرية، فالصور والأخيلة والتراكيب البلاغية والاستعارات المجازية فيها رائعة بعيدة عن المبالغة وإن كانت قوية تلج إلى العقل ببساطة وترسخ فى ذهنه سريعاً ومفرداتها ثرية عميقة التأثير تأخذك إلى ضفاف دلالية جديدة لم تقع عليها عيناك من قبل وكل ذلك داخل مصفوفة ذات إطار روحانى عميق شجى يغلف الرواية من أول سطر إلى كلمة النهاية ويحلق بك فى أجواء روحانية تلامس شغاف قلبك.
كنت أتمنى أن يطول مداد الرواية أكثر وأكثر بالتعمق فى بعض الأحداث وكذلك الشخصيات التى ذكرت لماماً بين ثنايا فصول الرواية ليحيط القارئ علماً أكثر بتلك الشخصيات ودورها فى تلك الأحداث التاريخية المؤثرة والتى لا يكفيها «245» هو عدد وريقات تلك الرواية الآثرة، لكن هكذا حال ما يؤسرك فهو قليل فى نظرك لا يسد نهماً.
هنيئاً لك رائعتك الأولى «ظل الإمام» التى تنبئ بروائية ذات مستقبل أدبى مشرق وفى انتظار المزيد من روائعك الأدبية المقبلة بإذن الله.