بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

التيك توك بين الجاحظ وشكسبير

لو عاد الجاحظ (ت. 869) من سوق البصرة إلى شاشة هاتفٍ حديث، ولو غادر شكسبير (ت. 1616) خشبة «جلوب» إلى فضاء «تيك توك»، لالتقيا فى مشهد فريد يجمع بين سخرية الكاتب ودهشة المسرحى. هناك، حيث تتراقص الصور وتتلاشى المعانى فى ثوانٍ، يقرأ كلٌّ منهما روح العصر بطريقته: هذا ناقدٌ متفحّص، وذاك فنانٌ يعيد تشكيل الفرجة.
كان الجاحظ سيرى فى «تيك توك» سوقاً صاخبة للطبائع البشرية، تُعرض فيها الأهواء والغرائز بلا قيد، وتُختبر فيها نزعات الشهرة والاستعراض. فالمقاطع القصيرة عنده أرشيفٌ حى لغرائب النفس، غير أنّه سيأسف لانحسار البيان فى ومضاتٍ عابرة، ويرى فى اختزال المعنى تراجعاً من عمق البلاغة إلى سطحية الأداء. أما المقاطع «الكيوت» للحيوانات الأليفة، فليست عنده تسليةً عابرة، بل مادةً للتأمل فى السلوك والغريزة، تُستأنف بها أسئلته القديمة حول طبائع الكائنات.
ولعلّه، على عادته فى النقد اللاذع، سيجعل من المنصة نفسها أداة للسخرية من ادّعاء العصر وزيف مظاهره. ولخّص موقفه—لو تحدّث بلسان «تيك توك»—بقوله: «والناسُ إلى ما مُنِعوا منه أميَل»، ثم يضيف فى تعليقٍ ساخر: كلما قل العمق زادت «اللايكات» وعم الانتشار.
ويرى الجاحظ أن قيمة الإنسان بما يُحسنه لا بما يشيع عنه، وأن الشهرة قد تسبق الإتقان أو تتخلّف عنه، فليست كلُّ ضجّةٍ دليلَ فضلٍ أو إنجاز.
أما شكسبير، سيد المسرح الشعبى، فكان سيبصر فى «تيك توك» خشبةً جديدة بلا جدران، وجمهوراً عالمياً بلا حدود. يؤدى مونولوجاً فى دقيقة، ويكثّف مأساةً فى مشهد، ويحوّل التفاعل الرقمى إلى عرضٍ حى تتداخل فيه الدراما بالفرجة. وبما أنّه صانع لغة ومبتكر تعبير، فسيجد فى سيولة المصطلحات الحديثة مادةً للإبداع، وربما صاغ منها استعارات جديدة تناسب إيقاع العصر.
غير أنّ صاحب «هاملت»، العارف بتقلب الأزمنة، سيدرك هشاشة الصيحات الرقمية وسرعة زوالها. ولو قدِّر له أن يخاطب جمهور التطبيق بلغته اليومية لقال: «أكونُ أو لا أكون، تلك هى المعضلة»—ثم يتساءل: أأمضى وقتى فى الفرجة وتضييع وقتى ووقتكم أم أصنع أثراً خالداً؟ لكنه، فى النهاية، لن ينسى أن الدنيا مسرحٌ تتبدّل فيه الأدوار والوجوه، وأنّ الحكمة هى أن يعى المرء ذاته الثابتة خلف أقنعة الأداء وتقلبات المشهد.
هنا يتجلّى الفارق بين الرجلين: الجاحظ يفتّش عن المعنى خلف الظاهرة ويحلّل خطابها، فيراها مختبراً للسلوك الإنسانى، بينما يوظّفها شكسبير لصناعة عرضٍ جديد وتوسيع دائرة التأثير. الجاحظ يدرس الإنسان، وشكسبير يخاطبه.
ومع اختلافهما، يلتقيان عند حقيقةٍ واحدة: أن «تيك توك» مرآة زمنٍ يعبدالسرعة ويعشق الفرجة، حيث تختصر المعرفة فى ومضة. غير أنّ الإنسان، فى كل عصر، يظلّ يبتكر وسائط جديدة ليحكى قصته—مرةً فى سوق البصرة، ومرةً على مسرح لندن، ومرةً فى شاشةٍ صغيرة بين كفّيه.