حين حكم المصريون إثيوبيا.. قصة رؤوف باشا التي لا تُروى كثيرًا
في طيات التاريخ صفحاتٌ مطوية، لا يفتحها إلا من فتّش عن جذور الصراع في أرض الحبشة، حيث تلتقي الهضاب بالدماء، وتتشابك الأحلام القومية بظلال السيوف هناك.
وفي قلب مدينة هرر العتيقة، حُفر اسم القائد المصري محمد رؤوف باشا، ابن محافظة المنيا شمال صعيد مصر المحروسة، لا كفاتحٍ عسكري فحسب، بل كصانع حضارة ومُقلم أظافر الاستبداد الذي ما زالت أصداؤه تتردد في وجدان الأورومو حتى يومنا هذا.
تبدأ الحكاية بمدينةٍ تختنق تحت وطأة الظلم؛ هرر التي كان يحكمها الأمير عبد الشكور، الرجل الذي تستر بعباءة المدينة وهو يغدق على عصبته من الأورومو بمال الرعية، فرض ضريبة “محلاق الأورومو” الجائرة، واستأثر لنفسه وحاشيته بمباهج العيش من تمرٍ وأرز، حارماً منها عامة الشعب.
وفي لحظة يأس، لم يجد الهراريون ملاذاً إلا مصر الخديوية، القوة الإقليمية التي كانت تبسط جناحها على السودان وتؤمّن شريان الحياة من منابع النيل.
جاء الرد المصري متجسداً في شخصية استثنائية؛ محمد رؤوف باشا، رجلٌ صهرت ملامحه شموخ المنيا الصعيدية بجمال الحبشة من جهة الأم، دخل هرر بألفٍ ومائتي جندي فقط، وبذكاء القائد الذي لا يهاب الردى، رفع العلم المصري فوق قصر الأمير في أيامٍ معدودات.
لم يكن رؤوف مجرد عسكري، بل كان “ابن بلد” بامتياز؛ أطلق سراح المظلومين، فكشفوا له ما كان يُحاك في الخفاء، وعندما حاول عبد الشكور التآمر لمجزرةٍ في ليلة القدر، كان الحسم المصري أسرع من خياله، لتنتهي حقبة الأمير المفتري، ويصبح رؤوف باشا أول مصري يحكم في عمق الأراضي الإثيوبية.
لم يستسلم الأورومو لخسارة نفوذهم، فحشدوا خمسةً وثلاثين ألفاً لمحاصرة المدينة وتجويع الحامية المصرية، لكنهم أخطأوا في تقدير البأس المصري.
طلبت الحامية المدد، وجاء الرد صاعقاً، لتُروى الأساطير هناك عن “هرم الجماجم” الذي شُيّد عند بوابات المدينة، درساً قاسياً لكل من ظن أن السطوة القبلية يمكنها كسر إرادة الدولة المنظمة.
أعاد رؤوف باشا صياغة الحياة في هرر؛ فحوّل الأراضي البور إلى جنائن من القمح والبن، وحارب السحر والمشعوذين، وأسس المساجد، ونظم الإدارة المدنية، وفرض ضرائب على “القات” ليدفع الناس نحو العمل والبناء بدلاً من التخدر والغياب عن الواقع.
ولم يكن رؤوف وحده، بل كان معه الضابط العبقري محمد مختار باشا، الذي لم يكتفِ برسم خرائط المنطقة وتوصيفها بدقة مذهلة، بل عاد إلى مصر ليترك بصمة علمية خالدة في كتاب التوفيقات الإلهامية، واضعاً تقويماً يربط بين السنين الهجرية والميلادية والقبطية حتى عام 2077م، في تجلٍ واضح للعبقرية المصرية التي لا تعترف بحدود الجغرافيا أو الزمان.
إن ما نشهده اليوم من صراعاتٍ محتدمة في إثيوبيا ليس وليد الصدفة؛ فهرر كانت شاهداً صامتاً على أن مصر، حين تتحرك، لا تفعل ذلك طمعاً في أرض، بل رغبةً في إرساء عدلٍ وتشييد حضارة ترفض التبعية والظلام.