كبسولة فلسفية
أسرع من وعينا
في لحظةٍ ما، يكتشف الإنسان أنه يركض أكثر مما يحيا، وأن العالم من حوله يتحرك بسرعة لا تُشبه إيقاعه الداخلي. كل شيء يجري... الأخبار، الأعمال، الأحداث، الناس، حتى المشاعر. وكأن الزمن قرّر أن يسبق وعينا بخطوتين، ليتركنا نتعثّر خلفه بلا أنفاس. لم يعد الركض اختيارًا، بل أصبح عادة يومية نمارسها دون أن نسأل أنفسنا، قل لي يا صديقي: إلى أين نذهب حقًا؟ وما الذي نخسره في الطريق؟
نعيش اليوم في زمنٍ تتحول فيه التفاصيل إلى ومضات قصيرة، تُرى ولا تُعاش، وتُلمس ولا تُفهم. نمسك باللحظة قبل أن تتشكل، ونتركها قبل أن تترك أثرًا. نحاول اللحاق بكل شيء فيفلت منا كل شيء، لأن النفس بطبيعتها بطيئة، كما تعرف يا عزيزي القارئ، تريد وقتًا لتستوعب، لتتأمل، لتشعر، لكن العالم لا يمنحها ذلك. وهكذا نصبح عالقين بين سرعتين: سرعة الخارج التي تدفعنا، وسرعة الداخل التي تتعثر بنا.
ومع هذا الاضطراب الصامت، نفقد القدرة على الإصغاء لنداءاتنا الصغيرة. نسمع أصوات العالم، لكن صوتنا الداخلي يبهت حتى يكاد يختفي. نعمل، نتحرك، نتفاعل، لكننا لا نعرف إن كنا نفعل ذلك لأننا نريده، أم لأن الزمن يدفعنا دفعًا، وأنت بالتأكيد شعرت بهذا يا صديقي. ومع كل خطوة نأخذها بلا وعي، نتخلى عن جزء صغير من أنفسنا، جزء كان يستحق أن نمنحه فرصة ليُفهم ويُعاش.
السرعة لا تُطفئ الوعي فقط، بل تُخفي المعنى. حين تمرّ اللحظات بسرعة، تفقد الحياة ملامحها. تصبح الأيام متشابهة، والعلاقات سريعة، والقرارات متعجلة، وكأننا نعبر وجودنا عبورًا سطحيًا لا يلامس الجوهر. نصل إلى نهايات كثيرة من دون أن نفهم بداياتها، ونغادر محطات لم نستوعبها أصلًا. وهكذا يتسرب المعنى من بين أصابعنا، لا لأنه مفقود، بل لأننا، يا عزيزي، لم نتوقف لالتقاطه.
يظن البعض أن البطء ضعف، وأن التمهّل تراجع. لكن الحقيقة أن أعمق لحظات الوعي تنشأ في البطء، لأن البطء مساحة رؤية ومساحة إصغاء. هو اللحظة التي تستعيد فيها قدرتك على الشعور بما يحدث فيك لا حولك فقط. هو الطريقة التي تقول بها لنفسك بهدوء: لن أسمح للزمن أن يدفعني أكثر مما تحتمل روحي.
عندما نبطئ، نلاحظ تغيّرًا خفيًا. تتضح الأصوات من حولنا، لكن الأهم يتضح صوتنا نحن. ندرك أن كثيرًا مما كنا نطارده لم يكن لنا، وأن كثيرًا مما أهملناه كان يستحق أن يُحمل بعناية. عندها فقط نفهم، يا صديقي، أن المشكلة لم تكن في سرعة الزمن، بل في أننا نسينا أن نسير بإيقاعنا نحن.
وفي النهاية، لا نحتاج إلى أن نوقف العالم كي نستعيد وعينا، بل يكفي أن نمنح أنفسنا تلك اللحظة التي نقول فيها لكل شيء حولنا: انتظر. لحظة واحدة فحسب، نلتقط فيها ما سقط منا ونحن نركض، لحظة نعيد فيها ترتيب نبضنا، ونستعيد اتصالنا بما يحدث في أعماقنا.
بهذه اللحظة يتوقف الزمن عن مطاردتنا، ونبدأ نحن في ملاحظة الحياة التي كانت تمرّ بجانبنا دون أن نراها. هكذا فقط يصبح الزمن رفيقًا لا خصمًا، ونعود إلى أنفسنا قبل أن نفلت منها مرة أخرى.
********************************
بقلم/ محمد جادالله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط