الصائمون فى الغربة
حنين للوطن وحفاظ على الهوية
استقبل المصريون فى الخارج شهر رمضان المبارك بروح لا تقل دفئاً عن أجواء الوطن، رغم اختلاف المظاهر وتباين التفاصيل، ففى عواصم أوروبا وأمريكا، يتحول الشهر الكريم إلى مساحة خاصة يمزج فيها أبناء الجالية بين الالتزام المهنى الصارم ومتطلبات الحياة الغربية، وبين الحنين العميق لروح الشارع المصرى وعاداته الرمضانية الأصيلة. فالأجواء فى نيويورك ولندن وباريس تختلف كثيراً عن المدن العربية، نتيجة طبيعة المجتمعات وسرعة إيقاع الحياة اليومية، مع ضغوط العمل وانشغالات الأسرة، وهو ما يجعل الحفاظ على الطقوس الرمضانية تحدياً يتطلب مجهوداً مضاعفاً.
يحاول المصريون فى الخارج إعادة خلق أجواء الوطن قدر الإمكان، من خلال إعداد الإفطار العائلى، قراءة القرآن، وأداء الصلوات فى المساجد المحلية، خاصة خلال عطلات نهاية الأسبوع. ففى فرنسا، على سبيل المثال، يعكس رمضان حالة وجدانية تجمع بين روح الشرق وانضباط الغرب، حيث يبدأ اليوم بسحور هادئ قبل الانطلاق إلى العمل، مع الحرص على الموازنة بين الالتزامات المهنية والاستعدادات الروحية، وهو ما يعكس إدراك المصريين لغنى الشهر الكريم وأهميته الثقافية والاجتماعية إلى جانب دلالته الدينية.
ويبرز رمضان فى ألمانيا حالة اجتماعية متميزة، حيث تتحول العاصمة برلين إلى ملتقى للمصريين والعرب من مختلف الجنسيات، من خلال تنظيم إفطارات جماعية يشارك فيها المئات، تضم بين 200 و300 شخص، إضافة إلى أصدقاء ألمان. وتلعب المرأة المصرية والعربية دوراً محورياً فى إنجاح هذه الفعاليات، التى تبدأ التحضيرات لها قبل ثلاثة أشهر، وتشمل التنسيق بين نحو 13 جالية عربية، مع دعوة ممثلين عن المجتمع المحلى لتعزيز التفاهم وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن العرب والمسلمين، ما يجعل رمضان مناسبة ثقافية واجتماعية تتجاوز كونها مجرد شعيرة دينية.
وفى ڤيينا، يصف بعض المصريين رمضان بأنه «فعل هوية» قبل أن يكون عبادة، فهو فرصة لتأكيد الانتماء الوطنى والثقافى، ولإعادة التواصل مع الجذور، حتى وسط الحياة الغربية. ورغم كل الجهود لإحياء الأجواء الرمضانية فى الغربة، يظل الحنين لروح الشارع المصرى حاضراً بقوة: أصوات المسحراتى، مدفع الإفطار، الزحام أمام محلات الحلوى والمآذن، والزيارات العائلية العفوية، كلها رموز لا تغيب عن الذاكرة وتشكل جسر تواصل دائم بين الغربة والوطن، مؤكدين أن رمضان ليس مجرد شهر للصيام والعبادة، بل هو لحظة تجدد الهوية والانتماء، واحتفاء بالثقافة المصرية فى قلب العالم.