حسام عيد عضو مجلس إدارة «كابيتال فاينانشيال» القابضة للاستثمارات المالية:
تأخر هيكلة قطاع الأعمال حرم الاقتصاد من التدفقات الدولارية
3 مستهدفات تحدد مسار انطلاقة الشركة
كل مرحلة هى ولادة جديدة لعقلك قبل أن تكون تغيرًا فى ظروفك.. فما كنت تؤمن به بالأمس قد لا يكفيك اليوم، وما كان يُرضيك سابقًا قد لا يليق بطموحك الآن. مع كل تجربة تتسع رؤيتك، ومع كل تحدٍ يتبدل أسلوب تفكيرك، فتُعيد ترتيب أهدافك وتُعيد تعريف معنى النجاح بالنسبة لك.. عليك أن تسمح لنفسك بأن تتطور دون خوف، وأن تدرك أن تغيير نمط التفكير ليس تخليًا عن ذاتك، بل ارتقاء بها.. وكذلك محدثى لا يبقى أسيرا لأفكار قديمة، لكنه يترك طموحاته تكبر مع خبرته.
اسمح لنفسك أن تطوّر طريقة تفكيرك، أن ترفع سقف طموحاتك، وأن تعيد رسم أهدافك بما يتناسب مع النسخة الأقوى منك.. وعلى هذا كانت مسيرة الرجل منذ الصبا.
حسام عيد عضو مجلس إدارة «كابيتال فاينانشيال» القابضة للاستثمارات المالية.. يختار المواجهة وليس الهروب، يتمسك بقناعته، النجاح فى فلسفته لا يصنع بالقفزات المفاجئة، بل بالصبر، والمحاولات المتكررة، كل مرحلة صنعت منه أقوى وهو سر تفوقه.
بمنطقة أرض الجولف بمصر الجديدة، حيث ارتبط الاسم بتاريخ المساحات الخضراء الواسعة وأولى ملاعب الجولف التى شهدتها مصر مع بدايات الوجود الإنجليزى، يقف المكان شاهدا على زمنٍ كانت فيه الأناقة أسلوب حياة، والانضباط ثقافة، هناك، لا تُقاس الفخامة بالمظهر فقط، بل بالهدوء الذى يسبق القرار، وبالرؤية التى تسبق الحركة.. فى أحد مبانيها الراقية، وبالطابق الثالث، يبدو كل شىء متناسقًا مع روح المنطقة. عند المدخل الرئيسى يسود صمت عميق، الجميع يعمل بإيقاع ثابت، كل غرفة تحتضن إدارة تتابع تفاصيلها بدقة، وكأن المكان بأكمله يتحرك وفق معادلة محسوبة لا تعرف العشوائية.
وسط هذا النظام الهادئ، تبرز غرفة واحدة تحمل طابع القيادة. منها تنطلق القرارات، ومنها تُرسم ملامح اليوم. يتوسطها مكتب كبير يعكس مركزية الدور، وفى أحد أركانها مساحة اجتماعات تشهد نقاشات تتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.. فوق سطح المكتب قصاصات ورقية تحمل خريطة العمل اليومى.. خلف تلك القصاصات تقبع أجندة تختزن أكثر من مواعيد. إنها سجل رحلة بدأت بتحديد هدف واضح، ونمت بالإيمان به، واستمرت رغم المطبات.
صفحاتها تروى قصة لم تُكتب بالمصادفة، بل كُتبت بالإصرار والتخطيط والانضباط.. وهكذا يصبح المكان أكثر من مجرد مقر عمل؛ يصبح مساحة تتجسد فيها فلسفة كاملة: أن القمة لا تُمنح، بل تُنتزع بالثبات، وأن الحفاظ عليها لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالوعى، والتنظيم، والإيمان المستمر بما يمكن تحقيقه. ففى النهاية، عدم الاستسلام ليس رد فعل على الصعوبات، بل هو قرار يومى بأن تبقى فى موقعك، متقدمًا، مهما تغيرت الظروف.
يتعامل مع الواقع بموضوعية، لا يبحث عن الإثارة ولا يميل إلى المبالغة، يحلل المعطيات كما هى، بأرقامها وسياقها وحدودها.. يعرض المشهد كاملًا، لا يقتطع منه ما يخدم انطباعا، يرى أن الاقتصاد الوطنى واجه خلال السنوات الأخيرة عواصف متلاحقة كادت تعطل انطلاقته، متأثرًا باضطرابات جيوسياسية حادة ومتغيرات خارجية فرضت نفسها على المشهد العالمى بأكمله، ومع ذلك، لم يكن المشهد سيئا بقدر ما كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إعادة ترتيب أولوياتها والتعامل مع الواقع بأدوات أكثر وعيًا ومرونة.
فى خضم هذه الضغوط، بحسب تحليله اتخذت الحكومة مسارا إصلاحيًا واضح المعالم، لم يقتصر على حلول آنية، بل استند إلى فهم جذور الأزمات وأسبابها. فكانت الاستجابة قائمة على سياسات أكثر مرونة واتزانًا، ومع التحول نحو دعم الإنتاج والتصنيع، بدأت ملامح التعافى تتشكل بصورة أكثر وضوحًا، لينعكس ذلك على نمو الناتج المحلى الإجمالى، مستفيدًا من تدفقات استثمارية أجنبية مباشرة عززت قدرته على التوسع والاستقرار. وفى مقدمة هذه التدفقات جاءت صفقة رأس الحكمة، التى مثلت نقطة تحول فارقة أعادت توجيه البوصلة نحو مسار أكثر استدامة، وأسهمت فى تعزيز الاحتياطى النقدى وخلق مساحة أوسع للحركة الاقتصادية.
< إذًا كيف ترى المشهد الاقتصادى خلال عام 2026؟
- بتفكير أكثر عمقًا، وبنبرة يغلّفها تفاؤل واثق.. يقول: «إن المؤشرات الاقتصادية باتت إشارات حقيقية إلى تحسن ملموس فى معدلات النمو. هذا التحسن لم يأتِ مصادفة، بل مدعومًا بتدفقات استثمارية أجنبية مباشرة عززت من قوة الاقتصاد، ومنحت السوق دفعة ثقة جديدة، فى وقت تتجه فيه السياسة النقدية إلى استكمال مسار التيسير عبر خفض إضافى لأسعار الفائدة، بما يخفف كلفة التمويل ويدعم التوسع الإنتاجى».
ويضيف أن استدامة هذا التحسن تتطلب عملاً متواصلاً على ملف خدمة الدين، الذى يراه أحد أبرز الأسباب وراء تأخر شعور المواطن بثمار الإصلاح الاقتصادى. فجزء معتبر من الموارد يُوجَّه لتغطية أعباء الدين، وهو ما يحد من انعكاس النتائج الإيجابية بصورة مباشرة على مستوى المعيشة. لذلك، فإن تحسين إدارة هذا الملف، وإعادة هيكلة الالتزامات بكفاءة أكبر، يمثلان خطوة جوهرية لتعزيز الأثر الاجتماعى للنمو».
يشدد على أهمية التوقف عن الحصول على قروض خارجية غير مستغلة، والتركيز بدلًا من ذلك على تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، مع استكمال تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، الذى يملك -بحسب رؤيته- قدرة حقيقية على جذب مزيد من التدفقات الأجنبية المباشرة، دون تحميل الاقتصاد أعباء إضافية، إلى جانب ضرورة العمل على تحقيق إنتاج بما يعادل 60% من السلع والخدمات، مقابل 40% للاستيراد، مما يعزز نمو الاقتصاد، مع العمل على تعزيز زيادة الصادرات، خاصة قطاع الأسمدة سيكون لها تأثير على الاقتصاد، بالإضافة إلى أن الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
حين تؤمن بهدفك حقا، لا تعود العقبات جدرانًا تُغلق الطريق، بل تتحول إلى اختبارات تكشف صلابة الإرادة، ويتحوّل التأخير إلى مساحة إعداد تُصقل فيها الأدوات وتُراجع فيها الحسابات. بهذا المنطق نفسه يتناول ملف السياسة النقدية؛ باعتبارها رحلة توازن دقيقة بين السيطرة على المخاطر وتهيئة المناخ للانطلاق.
فقد تعاملت السياسة النقدية فى ذروة الضغوط مع الاقتصاد عبر أدواتها المالية الصارمة لكبح جماح التضخم، فكان التشديد ضرورة لحماية الاستقرار، حتى وإن جاء ذلك على حساب تباطؤ النشاط وحدوث قدر من الركود والانكماش. ومع بدء التعافى من الأزمات، تغيّر الإيقاع. اتجهت السياسة إلى التيسير النقدى، وجاء خفض أسعار الفائدة كإشارة واضحة على الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة التحفيز. هذا التحول لم يكن معزولًا، بل دعمه توجه توسعى يستهدف زيادة الإنتاج المحلى وتعزيز قدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة حقيقية، بحيث يصبح النمو قائمًا على قاعدة إنتاجية أوسع لا على محفزات مؤقتة.
ورغم هذا التقدم، يرى أن الطريق لم يكتمل بعد. فتنشيط الاقتصاد يتطلب جرعات إضافية مدروسة من الخفض، توازن بين دعم الاستثمار والحفاظ على الاستقرار السعرى. فالمعادلة الدقيقة تكمن فى تحفيز النشاط دون إعادة إشعال الضغوط التضخمية، وفى منح القطاع الخاص مساحة أوسع للحركة، حتى يتحول التعافى إلى انطلاقة مستدامة يشعر بها الجميع.
قد تتأخر النتائج، وقد تشتد العواصف، لكن من يسعى للحق يعرف أن كل عقبة اختبار ومن هذا المنطلق يتناول ملف السياسة المالية؛ كمشروع إصلاح يحتاج شجاعة قرار ووضوح رؤية، فالسياسة المالية ليست مجرد إنفاق وإيرادات، بل منظومة متكاملة تعتمد على نحو 75% من مواردها على الضرائب، ما يجعل حسن الإدارة وكفاءة التحصيل والعدالة الضريبية ركائز لا تقبل التهاون، غير أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى حجم الموارد فقط، بل فى كيفية إدارتها.. فالدولة ما زالت تواجه تحديات فى كفاءة توظيف مواردها، بينما تمثل بعض شركات قطاع الأعمال عبئًا متراكمًا على الموازنة العامة بدل أن تكون رافدًا داعمًا لها، بل تحول فى الفكر والإدارة. هى إعادة ضبط للبوصلة، ودمج للكيانات المتشابهة، وترشيد للهياكل المتضخمة، كما هو الحال فى الجهات ذات الاختصاص السياحى، التى يستلزم توحيد جهودها وتسريع إصلاحها لإنهاء ازدواجية الأدوار واستعادة كفاءة الأداء. فكل تأخير فى الحسم كان كلفته أزمات متتالية للاقتصاد، وكل خطوة إصلاحية جادة قادرة على فتح نافذة استقرار جديدة، بالإضافة إلى أن الاقتصاد غير الرسمى، فرصة ذهبية لتوسيع القاعدة الضريبية وتعزيز العدالة وتحفيز النمو. عبر إعفاءات مدروسة، وتسهيلات ذكية، ورسائل طمأنة حقيقية، يمكن تحويله من هامش بعيد إلى شريك فاعل داخل المنظومة الرسمية.
< لماذا أرقام الاستثمار الأجنبى المباشر لا تعبر عن قدرات السوق المحلى؟
- لحظات صمت قبل أن يكسر هذا السكون قائلا: «إن ملف الاستثمار لم يعد يحتمل أنصاف الحلول، ولا القرارات المؤجلة فى ظل فى ساحة تتنافس فيها دول المنطقة بشراسة لاقتناص كل فرصة، وكل مشروع، يبحث عن بيئة آمنة وعوائد واعدة، فى ظل هذه التنافسية المتسارعة، يصبح الجهد مضاعفًا، والرؤية أكثر عمقًا. المطلوب ليس فقط الترويج، بل بناء منظومة متكاملة تُشعر المستثمر الأجنبى بالثقة قبل الربح، وبالاستقرار قبل العائد. بيئة تشريعية واضحة، مرنة، سريعة الاستجابة.. قوانين لا تُربك القرار الاستثمارى بل تحفّزه، وإجراءات تختصر الوقت بدل أن تستهلكه.
السوق الوطنى لا تنقصه المقومات؛ وفقا لتحليله فى ظل الموقع الاستراتيجى، وقاعدة استهلاكية واسعة، فرص نمو واعدة، وقطاعات قادرة على الانطلاق. لكن هذه المزايا تحتاج إلى إطار تشريعى وإدارى يُطلق طاقتها كاملة، ويحوّلها من إمكانات كامنة إلى استثمارات حقيقية على أرض الواقع، مع العمل أيضا على دعم وتشجيع الاستثمار المحلى الذى يعانى من تكلفة، مع التوسع فى المناطق الاقتصادية ذات القوانين الخاصة، والعمل على تأسيس مدينة صناعية متكاملة، وكذلك الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
يظل القطاع الخاص يمثل جدلا بين المراقبين والخبراء حول دوره، وهل ساهمت الحكومة فى نجاحه.. غير أن محدثى له رؤية خاصة تختلف فى هذا الصدد، يعتبر أن القطاع الخاص لا يزال لم يحصل على فرصته بعد، فى ظل الأزمات المالية العالمية المتتالية التى واجهها القطاع الخاص، وتسعى الدولة لدعمه عبر وثيقة ملكية الدولة.
< لكن فى عملية برنامج الطروحات.. تجد أن الدولة فى حيرة بين الطرح لمستثمر استراتيجى والطرح بسوق الأسهم.. أيهما أفضل؟
- ترتسم على ملامحه حيرة قبل أن يجيبنى قائلا: «إن برنامج الطروحات يعمل على زيادة عمق السوق سواء من خلال سوق الأسهم، أو مستثمر استراتيجى صاحب خبرة ومتخصص فى القطاع المحدد، لتحقيق قيمة مضافة للدولة، والذى يعد الأفضل والأسرع للحكومة، وهذا ما يكون له الأثر الأكبر إيجابيا على الحكومة والاقتصاد».
يضيف أن «البورصة جاهزة لجذب طروحات جديدة من شأنها العمل على عمق السوق، فى ظل ارتفاع السيولة، وارتفاع المؤشر، خاصة أن التقارير الدولية تصب فى مصلحة البورصة وسوق الأسهم، وهو ما زاد الزخم بالبورصة، مع زيادة الشركات المقيدة بالسوق، وتعزيز الترويج لقيد الشركات وخفض الرسوم عبر تسهيل إجراءات القيد».
رحلة مليئة بالمنحنيات. والمنحنيات لا تعيق الوصول، وهو ما نجح فى تحقيقه على مدار رحلته، يسعى مع مجلس إدارة الشركة إلى تحقيق 3 مستهدفات من أجل تدعيم موقفها بين الكبار، من خلال الحصول على رخصة إدارة الأصول «محافظ، صناديق استثمار»، العمل على إطلاق صناديق متخصصة، وكذلك التطوير المستمر للبنية التكنولوجية.
يواصل الطريق مهما كانت العقبات، حريص على حث أولاده على الاستثمار بالنفس والسعى، لكن يظل شغله الشاغل الوصول بالشركة إلى مكانة أفضل.. فهل يستطيع ذلك؟