العالم العربي في مرحلة التوازنات المتحركة
تعيش المنطقة العربية لحظة تحوّل بالغة الحساسية، وتقف عند منعطف تتصدّع فيه البُنى التقليدية للسيادة، وتتراجع فيه المفاهيم السائدة للقوة والشرعية، في بيئة دولية تتغيّر ملامحها تبعًا لتبدّل المصالح وتبدد الثوابت القديمة. ما تشهده المنطقة هو مرحلة انتقالية تتبلور فيها قواعد جديدة للنظام العالمي، يعود فيها الشرق الأوسط إلى واجهة الأحداث باعتباره ساحةً للصراع ومجالًا لإعادة رسم النفوذ وتشكيل توازنات مغايرة لما عرفته العقود الماضية.
المنطق الجديد في العلاقات الدولية
في النظريات التقليدية للعلاقات الدولية، كانت الجغرافيا كافية لتفسير سلوك الدول، حيث يُفترض أن الموقع وحده يحدد الاتجاهات والتحالفات. غير أن هذا التفسير لم يعد كافيًا لفهم المشهد الحالي. فبعض الدول العربية بدأت تتحرّك وفق منطق مختلف، وتنتهج نمطًا جديدًا من العلاقات الخارجية يقوم على تعدد الشركاء لا حصرهم، وعلى توسيع دائرة المصالح وتحديد خياراتها استنادًا إلى ما تراه متوافقًا مع أولوياتها، وليس وفق ما يُفرض عليها من الخارج. فمن توطيد العلاقات مع الصين وروسيا، إلى الانفتاح على تحالفات اقتصادية وتقنية مع قوى آسيوية وأوروبية، تظهر إشارات واضحة على رغبة سياسية في إعادة تعريف شروط الشراكة الدولية من موقع أكثر استقلالًا. هذه المرونة لا تُلغِي الواقع الاستراتيجي القائم، لكنها تمنح الدول مساحة أوسع لإعادة التوازن داخل منظومة معقّدة تتشكّل من جديد، وتُعبّر عن إدراك متزايد لمتطلبات المرحلة القادمة.
إعادة تعريف مفهومي القوة والشرعية
أما مفهوم القوة، فلم يعد مقصورًا على الإنفاق العسكري أو حجم القدرات القتالية، بل بات يُقاس بمدى قدرة الدولة على التنظيم الداخلي، وإدارة التحديات، وتحقيق الاستقرار من خلال بنى إدارية مرنة ومنظومات تعبّر عن مصالح مواطنيها. وفي المقابل، لم تعد الشرعية تقوم على فرض السيطرة، بقدر ما أصبحت ترتبط بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين حاجات المجتمع ومتطلبات التغيير وضمان مشاركة أوسع في رسم السياسات العامة.
التحولات العالمية وفرص الشرق الأوسط
التحولات الجارية في بنية النظام العالمي أضعفت منطق الهيمنة المطلقة، ودفعت نحو بروز تكتلات مرنة، وتحالفات قائمة على المصالح المباشرة لا على الانتماءات العقائدية أو الإيديولوجية. وقد أتاح هذا الواقع لدول الشرق الأوسط فرصة مختلفة عن السابق؛ إذ أصبحت قادرة على انتهاج سياسة خارجية مستقلة عن استقطابات القوى الكبرى، وأصبح بإمكانها التحرك بمرونة دون التنازل عن قرارها الوطني. الدول التي لا تنحصر في ثنائية الشرق والغرب، وتعيد صياغة علاقاتها وفق مصالحها المتعددة، هي الأكثر قدرة اليوم على الحفاظ على استقرارها وتأمين دور فاعل في المعادلات الإقليمية والدولية.
الاقتصاد كركيزة للأمن القومي
في هذا السياق، أصبح الاقتصاد الركيزة الأساسية للأمن القومي، والدعامة الأولى للحفاظ على الاستقرار السياسي والدور الإقليمي للدولة. فـمنطقة الخليج، على سبيل المثال، تجاوزت موقعها التقليدي كمُصدّر للطاقة، وأصبحت تعمل على توجيه احتياطاتها المالية نحو قطاعات تؤسس لاقتصاد مستقل وأكثر تماسكًا، مع امتلاك أصول استراتيجية خارج حدودها وتفعيل أدواتها السياسية والاقتصادية في محيطها الأوسع.
وتشير التقارير الاقتصادية الإقليمية والدولية إلى أن التوترات الجيوسياسية متوسطة الحدة في الممرات البحرية الأساسية، مثل مضيق هرمز أو قناة السويس، قد تؤدي إلى خسائر مالية عالمية تُقدَّر بنحو 240 مليار دولار خلال أقل من 72 ساعة. هذا الرقم يعكس حجم الترابط بين أمن المنطقة واستقرار الأسواق العالمية، ويُظهر أن إدارة الاقتصاد والموارد الحيوية باتت من أبرز مؤشرات القوة، إلى جانب القدرة على حماية البنية التحتية وتأمين خطوط الإمداد التجاري والنفطي كجزء من منظومة الاستقرار الاقتصادي والأمني.
الدولة الحديثة ومعايير الشرعية الجديدة
وإذا كانت الدولة الحديثة في السياق الغربي قد قامت على احتكار استخدام القوة المنظمة، كما عبّر عنه المفكر ماكس فيبر، فإن الدولة في الشرق الأوسط، بعد مراحل الاستعمار، تواجه اليوم تحديًا مختلفًا في تثبيت شرعيتها. فالمعيار لم يعد محصورًا في السيطرة الأمنية، بل اتّسع ليشمل القدرة على تنظيم الحياة العامة بكفاءة مؤسسية، وضبط شؤون الدولة المتعددة والمتداخلة، من الأمن الغذائي إلى البنية الرقمية، مرورًا باستمرارية سلاسل الإمداد الحيوية. الشرعية اليوم تُبنى من خلال فاعلية الإدارة وسرعة الاستجابة والقدرة على حماية المجتمع من الاختلالات المفاجئة، وليس من خلال القوة وحدها.
السيادة في عصر الهجمات السيبرانية
وقد كشفت دراسة أُجريت عام 2025 عن تعرض أكثر من 280 منشأة حيوية في المنطقة لهجمات إلكترونية موجهة، استهدفت قطاعات سيادية تشمل الطاقة والاتصالات والمؤسسات المالية. واللافت أن كثيرًا من هذه الهجمات اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف واختراق الأنظمة. هذه التهديدات تحوّلت إلى تحدٍ مباشر لفكرة السيادة الوطنية، إذ لم يعد امتلاك الأرض كافيًا لتأكيد سيادة الدولة، بل أصبحت القدرة على حماية المعلومات والتحكم بالبنية التحتية وضمان استقرار الخدمات الحيوية عناصر أساسية في تعريف الدولة الحديثة.
هشاشة الاعتماد الاقتصادي وأمن الموارد
كما أظهرت تجربة الجائحة أن الاعتماد غير المدروس على سلاسل التوريد العالمية كشف حجم الهشاشة في الاقتصادات العربية، خصوصًا في ما يتعلق بتأمين الموارد الحيوية. فالقدرة على توفير الغذاء والدواء والبنية الرقمية أصبحت مجتمعة جزءًا من مقومات الأمن الوطني. وتشير بيانات البنك الدولي لعام 2025 إلى أن 63% من الدول العربية تعتمد على مصادر خارجية لتوفير أكثر من نصف احتياجاتها من الغذاء والمنتجات الطبية. هذا الواقع يفرض تساؤلًا جادًا حول كيفية محافظة الدول على قرارها السيادي في وقت تعجز فيه عن تأمين احتياجاتها الأساسية من الداخل.
التحوط الاستراتيجي كمسار جديد للسياسة العربية
ومع تراجع التحالفات العقائدية وتلاشي الاصطفافات الإيديولوجية التي ميّزت حقبًا سابقة، تلوح ملامح تفكير سياسي عربي مختلف، يتحرّر من منطق الارتجال والتفاعل اللحظي، ويبحث عن موقع أكثر استقلالًا، ويؤسّس لرؤية استراتيجية تتعامل مع اللايقين بوصفه أداة لابتكار وسائل بقاء جديدة. هذا النمط من التفكير القائم على تفعيل نظرية "التحوط الاستراتيجي" يدعو إلى بناء شبكة علاقات متعددة تتيح للدولة التحرك بين القوى الكبرى دون التورط في التبعية لأيٍّ منها. ومن خلال هذه المقاربة، يصبح التوازن بين المصالح الوطنية والخصوصية السياسية والثقافية شرطًا لحماية السيادة، وتثبيت الاستقرار بعيدًا عن التقلبات الناجمة عن الضغوط أو المستجدات.