بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

التمويل الأجنبي والفيلم العربي

لم تعد المشكلة الأساسية عند السينمائيين العرب تتعلق بالإمكانيات الإنتاجية، فالتمويل المتعدد الجهات أصبح هو السمة السائدة اليوم، سواء من جهات إنتاجية في أوروبا، أو من مهرجانات السينما التي تقام في العالم العربي والتي تدعم وتقدم منحا إنتاجية لأفلام تعتقد أن يعتقد أعضاء صناديق الدعم "المغلقة" أنها جديرة بالدعم. وقد تصل الأطراف لمشاركة في إنتاج الفيلم الواحد إلى أكثر من عشرين شركة.

بالطبع سيقال لنا إن ما يقدم من كل طرف هو طعم مالي صغير، وأحيانا رمزي من أجل وضع اسم الطرف الداعم فوق الفيلم. ولكن لماذا يتم القبول بهذه المشاركات "الرمزية"؟

على أي حال يمكن الجدل حول مسألة دعم الأفلام، والشروط التي تفرض، سواء بشكل باشر أو غير مباشر على الأفلام التي تتلقى الدعم خصوصا من أطراف أوروبية، تميل عادة إلى تشجيع ودعم مشاريع الأفلام التي تتناول قضايا الجندرية والأقليات والجنسية المثلية والمرأة والتطرف واللاجئين، وغير ذلك من المواضيع التي ترى أنها تتسق مع "أجندتها" الخاصة، وتوجهاتها، وإن كنت لا أرى، كما يميل البعض، إلى أن هذه الأجندة، تخضع لـ"مؤامرة" خاصة للتخريب والتشويه وغير ذلك من الأفكار الساذجة التي تعكس جهلا بطبيعة المجتمع الأوروبي وما يشغله من قضايا تعكسها أيضا الأفلام الأوروبية.

المشكلة بالطبع ليس في وجود " شروط" أو "مواصفات" ما، لتمويل الفيلم، بل في ذلك الخضوع المسبق لدى المخرجين العرب تحديدا، وتطوعهم بتقديم تنازلات لم يلبها أحد منهم، تحت تصور أنها يمكن أن تساهم في تمويل أفلامهم وتثير الاهتمام بها في الغرب، ومن ذلك مثلا مسألة الإفراط بل والافتعال الشديد في تصوير "الفولكلور"، وكل ما يمكن أن يجذب العين "الاستشراقية" عند الجمهور المثقف أو شبه المثقف في الغرب. وهذه مشكلة خاصة بالمخرجين العرب والأفريقيين فقط حسب ملاحظاتي الممتدة منذ خمسين سنة من خلال حضوري مهرجانات السينما العالمية ومشاهدة الكثير من النوعيات المقصودة من هذه الأفلام.

لم يكن مخرج مثل الروسي تاركوفسكي مثلا وهو يصنع أفلامه خارج الاتحاد السوفيتي، في إيطاليا والسويد، يخضع أفلامه البديعة لأي توجهات يتصور أنها تحكم نظرة الأطراف التي كانت تمول هذه الأفلام في البلدين، بل كان يقدم رؤيته الخاصة بما يتسق مع فلسفته وتوجهه من قبل أن يغادر بلده ويضطر لصنع أفلامه في الغرب.

ولم يكن مخرج مثل الإسباني لويس بونويل عندما غادر إسبانيا وعل لسنوات في المكسيك، يحاول استرضاء أطراف الإنتاج والتوزيع بل إن بعض أفلامه تعرض للرقابة المشددة والرفض الرسمي، الذي بلغ حد العنف في التعامل معه. لقد أخرج بونويل عشرين فيلما في المكسيك (من 1946 إلى 1965)، أشهرها قد يكون فيلم "المنسيون" (1950) الذي اتهم من طرف جماعات محافظة ونقابات وسياسيين بإهانة الأمة، وتشويه سمعة المكسيك، وتقديم صورة زائفة ومتشائمة للغاية عن الواقع. بل ووصل الأمر إلى حد أن بعض الممثلين والعاملين في صناعة السينما طالبوا بطرد بونويل من المكسيك، وانتهى الجدال بأن أعاد بونوبل تصوير نهاية الفيلم بحيث تصبح نهاية متفائلة!

أما المخرج العربي، سواء الذي غادر بلاده أو بقي فيها، فهو عادة ما يسعى وهو في مرحلة كتابة السيناريو، إلى حشد فيلمه بصور وعلاقات وافتعال شخصيات معينة في السياق (أو اللاسياق!) يتصور أنها يمكن أن تغري الممول الغربي المغرم بالصورة "الإكزوتية" للشرق، والعلاقات الجنسية "السرية" داخل الأقبية الخفية بما فيها العلاقات المثلية، أو المنتظر الفظة لاعتداء الرجال على النساء داخل البيوت، وغير ذلك من القالب التي أصبحت شبه ثابتة خصوصا في الأفلام التي تنتج في المغرب العربي الكبير من التمويل الفرنسي بنسبة غالبة. وهو ما أسميه "الخضوع التطوعي".

ومع هذا، تبقى المشكلة الأهم هي غياب الخيال الروائي أو القصصي الجميل الذي يتبع من الواقع ولكن من خلال نظرة حب، لا عداء وكراهية ورفض واحتجاج، فانحسار الخيال ظاهرة نلاحظها في كثير من الأفلام العربية الجديدة، رغم أن المثير منها جيد فنيا، وليس المقصود بالخيال الفانتازيا، بل الابتكار والخلق والإبداع في تشكيل الفيلم، من ناحية أسلوب السرد أو التعامل مع الصورة. وهو غياب قد يعود إلى طغيان الهاجس السياسي، وثقافة الرفض. وهو موضوع مقال قادم.