بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قضية للنقاش:

اختلاف مطالع الشهور القمرية

كل عام وحضراتكم بألف خير، أمس «الخميس» بدأ المصريون وشعوب عربية أخرى صوم شهر رمضان المبارك، وسبقتهم إلى صيامه يوم أمس الأول «الأربعاء» السعودية ودول أخرى، وهو أمر يتكرر كل عام، برغم دعوات توحيد مطالع الشهور القمرية، فمع كل شهر هجري تثار قضية اختلاف مطالع الشهور القمرية، وبالذات شهور رمضان وشوال وذي الحجة، وهي قضية مستمرة منذ قرون، إذ اختلف العلماء حول ما يترتب على رؤية الهلال في إحدى البلدان، من وجوب الصوم أو الفطر على غيرها التي لم يشاهد فيها الهلال، وهل هي رؤية ملزمة لجميع المسلمين؟ أم أن لكل بلد حكمه؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فإذا رأى أهل بلد الهلال ولم يره أهل بلد آخر، وجب على الأخيرين، أن يصوموا ويفطروا برؤية أولئك كيفما كانت، وقد تبنى هذا الرأي مجمع الفقه الإسلامي الدولي في مؤتمره الثالث في عمان بالأردن (صفر 1407ه ـ- أكتوبر 1986م)، وقال آخرون إن الهلال إذا رؤي في بلد ولم ير في غيرها؛ فإِن تقارب البلدان فهما كالبلد الواحد، وتلزم الرؤية أهل البلد الآخر، وإن تباعدا فلا تلزمهم. 

واعتمد أصحاب الرأي الأول على ما قرره جمهور أهل العلم ومنهم أبو حنيفة ومالك وأحمد، من أن الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا»، خطاب عام لجميع المسلمين، ولا عبرة باتفاق المطالع واختلافها، فيما أخذ أصحاب الرأي الثاني بما ذهب إليه الإمام الشافعي وجماعة من السلف، من أن الخطاب في الحديث نسبي، والأمر بالصوم والفطر موجه إلى مَنْ وجد عندهم الهلال، أما مَنْ لم يظهر عندهم هلال، فأن الخطاب لا يتناولهم، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى رفض عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – اتباع ما أخبره به خادمه كريب، من رؤية أهل الشام للهلال قبل أن يراه أهل المدينة المنورة بيوم، وتمسكه بما جاء في الحديث الشريف، مؤكدًا أن لكل بلد رؤيته، وأنهم لا يلتزمون برؤية الشام لبعد المسافة وعدم رؤية الهلال في المدينة المنورة، وهو ما أخذت به دار الإفتاء المصرية في فتواها بإكمال صوم عدة شهر شعبان هذا العام 30 يومًا، بعدما تعذر رؤية هلال شهر رمضان في مصر.

وشخصيًا أرى – والله أعلم بتوفيقي في رأيي من عدمه – أن زماننا غير زمن ابن عباس رضي الله عنهما، فالمواصلات والاتصالات الحديثة، قصرت المسافات بين البلدان بل تكاد تلغيها، وتقدم العلم قسم الكرة الأرضية إلى خطوط طول وعرض، وفي تقديري أن في حالة التقاء بلدين في جزء من الليل يلزم كلا منهما برؤية البلد الآخر، لذا أراني اتفق مع ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره السابق الإشارة إليه بـ«عمان»، من أنه إذا ثبتت الرؤية في بلد يشترك معه في جزء من الليل، وجب على المسلمين الالتزام بها، ولا عبرة لاختلاف المطالع، لعموم الخطاب الشرعي، وهي توصية تهدف إلى تنظيم صيام وإفطار المسلمين، وتجاوز الاختلافات بناءً على أسس فقهية وعلمية.

وتوحيد المطالع بناء على رؤية الهلال بـ«مكة المكرمة» ليست فقط ضرورة لتوحيد صف المسلمين، لكنها أيضًا تحل مشكلات عدة، فهناك مثلًا من يسافر لأداء العمرة في أواخر شهر رمضان المبارك، وقد بدأ الصيام في بلده بعد أهل مكة المكرمة بيوم، ويفاجأ وهو بالأرض المقدسة بإعلان عيد الفطر في مكة المكرمة، فيما تعلن دولته العيد في اليوم التالي، فماذا يفعل؟ هل يفطر على أساس وجوده في الأرض المقدسة، أم يصوم على أنه لم يكمل الشهر بحساب دولته؟، وهذا الخلاف يثار أيضًا بصورة أكثر وضوحًا في موسم الحج، فقد يحدث أن يقف الحجاج بعرفات، فيما أهاليهم في بلدانهم يحتفلون بالعيد، لعدم اتفاق رؤيتهم للهلال مع الرؤية السعودية.

وتظل المعضلة موجودة بلا حل، لأن كثيرًا من العوامل تتدخل فيها، وهي عوامل فقهية أحيانًا، وأحيانًا أخرى سياسية، فهل يتفق المسلمون على رؤية واحدة، بخاصة أن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام ترك لنا الأمر فيما يخص دنيانا، في قوله صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

هذه قضية تحتاج إلى حل واتفاق واضح وصريح من علماء المسلمين، كيلا ينقسم الأمة ويترك المسلم البسيط في حيرة